فايننشال تايمز: إكسون موبيل تصدم ترامب وتصف فنزويلا بساحة استثمار محفوفة بالمخاطر
تسلّط فايننشال تايمز الضوء على تصاعد التباين بين الطموحات السياسية لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورؤية كبرى شركات الطاقة العالمية تجاه فنزويلا، الدولة التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، لكنها تعاني من أزمات قانونية واقتصادية وأمنية مزمنة. ففي وقت يسعى فيه ترامب إلى إقناع شركات النفط الأميركية بضخ استثمارات ضخمة لإعادة إحياء قطاع النفط الفنزويلي وخفض أسعار الطاقة داخلياً، تواجه هذه الدعوات تشككاً واضحاً من قبل قادة الصناعة، وعلى رأسهم شركة إكسون موبيل. التقرير يعكس مشهداً معقداً تتداخل فيه المصالح الجيوسياسية، المخاطر الاستثمارية، والتجارب المريرة السابقة للشركات الأجنبية، ما يجعل قرار العودة إلى فنزويلا محفوفاً بالحذر الشديد رغم الإغراءات الكبيرة التي تمثلها ثرواتها الطبيعية.
إكسون موبيل تصطدم بالطموح السياسي
أكد دارين وودز، الرئيس التنفيذي لشركة إكسون موبيل، خلال اجتماع رفيع المستوى في البيت الأبيض، أن فنزويلا لا تزال بيئة “غير قابلة للاستثمار” في ظل الأطر القانونية والتجارية الحالية. وجاء هذا التصريح بمثابة رد مباشر على دعوة الرئيس ترامب للشركات الأميركية لضخ مليارات الدولارات في قطاع النفط الفنزويلي. وودز شدد على أن أي عودة حقيقية تتطلب تغييرات جذرية في القوانين الناظمة للاستثمار، وضمانات طويلة الأمد لحماية رؤوس الأموال. هذا الموقف يعكس توجهاً واقعياً داخل إكسون موبيل التي لا تنظر فقط إلى حجم الاحتياطي النفطي، بل إلى الاستقرار القانوني والسياسي كشرط أساسي قبل اتخاذ قرارات استثمارية كبرى قد تمتد لعقود.

ذاكرة المصادرات تُقيّد قرارات الاستثمار
استحضرت إكسون موبيل تجربتها التاريخية المؤلمة في فنزويلا، حيث تعرّضت أصولها للمصادرة مرتين منذ دخولها السوق الفنزويلية في أربعينيات القرن الماضي. هذه التجارب لا تزال حاضرة بقوة في ذاكرة الإدارة العليا للشركة، وتؤثر بشكل مباشر على تقييمها للمخاطر الحالية. فالشركات النفطية الكبرى تعتمد على استثمارات طويلة الأجل تتطلب استقراراً تشريعياً ومؤسسياً، وهو ما تراه إكسون موبيل غائباً حتى الآن. التحذير هنا لا يقتصر على الماضي، بل يشير إلى احتمال تكرار السيناريو نفسه في حال غياب ضمانات واضحة، ما يجعل أي اندفاع استثماري خطوة غير محسوبة العواقب.

ترامب والرهان على رأس المال الخاص
يسعى الرئيس ترامب إلى دفع شركات النفط لقيادة عملية إعادة إعمار قطاع الطاقة في فنزويلا دون تحميل الخزانة الأميركية أي أعباء مالية. فقد أوضح خلال الاجتماع أن الشركات، وليس الحكومة، هي من ستضخ ما لا يقل عن 100 مليار دولار. كما أبدى رفضه لفكرة تعويض الشركات التي صودرت أصولها في الماضي، معتبراً أن تلك الخسائر تعود لقرارات سابقة لا يمكن الرجوع إليها. هذا الموقف زاد من تحفظ بعض التنفيذيين، إذ ترى الشركات أن غياب التعويضات أو الضمانات المالية يرفع من مستوى المخاطر، خصوصاً في بيئة لا تزال تعاني من عدم الاستقرار السياسي والأمني.

تفاؤل حذر من شركات أخرى
على عكس موقف إكسون موبيل، أبدت شركات نفطية أخرى قدراً من التفاؤل المشروط. شركة شيفرون أشارت إلى إمكانية زيادة إنتاجها بنسبة تصل إلى 50% خلال أقل من عامين عبر توسيع عملياتها القائمة. كما أعلنت شل وإيني وريبسول عن استعدادات أولية لضخ استثمارات بمليارات الدولارات، شريطة الحصول على إعفاءات من العقوبات الأميركية وتوفير بيئة تنظيمية أوضح. هذا التباين في المواقف يعكس اختلاف استراتيجيات الشركات، فالبعض يراهن على فرص قصيرة إلى متوسطة الأجل، بينما تفضل شركات أخرى الانتظار حتى تتضح الصورة السياسية والقانونية بشكل أكبر.

مخاطر قانونية وجيوسياسية معقّدة
يرى خبراء الطاقة والقانون أن فنزويلا لا تزال ساحة عالية المخاطر للاستثمارات الكبرى، بسبب تداخل العوامل القانونية والسياسية والجيوسياسية. فحتى مع الوعود الأميركية بتوفير نوع من الضمانات الأمنية، تبقى الأسئلة قائمة حول قدرة النظام الفنزويلي على حماية الاستثمارات الأجنبية فعلياً. كما أن الإجراءات البيروقراطية، والحاجة إلى تراخيص وإعفاءات من العقوبات، تمثل عوائق إضافية. شركات كثيرة، وفق خبراء قانونيين، تكتفي حالياً بدراسة الفرص واستشارة المستشارين، دون الانتقال إلى مرحلة ضخ الأموال، في انتظار استقرار حقيقي يسمح بتحويل الاهتمام النظري إلى استثمار فعلي.



