معضلة جرينلاند: الدنمارك تدافع عن إقليم يبتعد عنها نحو الاستقلال
تجد الدنمارك نفسها في موقف بالغ التعقيد مع تصاعد الضغوط الأميركية بشأن غرينلاند، الإقليم الشاسع ذي الأهمية الاستراتيجية في القطب الشمالي، في وقت يتحرك فيه المجتمع الغرينلاندي منذ عقود بخطى ثابتة نحو الاستقلال. فبينما تستعد كوبنهاغن للدفاع عن سيادتها الدستورية على الإقليم في مواجهة تهديدات غير مسبوقة من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تكشف الأزمة حقيقة سياسية غير مريحة: الدنمارك تحشد دعمًا دوليًا لحماية أرض قد تختار في النهاية الانفصال عنها أو التفاوض مباشرة مع واشنطن.
غرينلاند بين الحماية والسيادة
منذ حصولها على الحكم الذاتي عام 1979، تسير غرينلاند تدريجيًا بعيدًا عن السيطرة المباشرة لكوبنهاغن، مع تنامي النزعة الاستقلالية داخل المجتمع المحلي. وتُظهر التطورات السياسية الأخيرة أن هذا المسار لم يعد مجرد طموح بعيد، بل خيارًا واقعيًا مطروحًا بقوة، خاصة مع دعوات من أحزاب معارضة غرينلاندية لتجاوز الحكومة الدنماركية وفتح قنوات تفاوض مباشرة مع الولايات المتحدة بشأن مستقبل الإقليم.
التهديدات الأميركية تكشف هشاشة التوازن
أعادت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي أبقى فيها جميع الخيارات مفتوحة للسيطرة على غرينلاند، بما في ذلك الشراء أو استخدام القوة، خلط الأوراق في أوروبا. ورغم موجة التضامن الأوروبي الواسعة مع الدنمارك، إلا أن هذه التهديدات سلطت الضوء على هشاشة التوازن بين السيادة القانونية والواقع الجيوسياسي، خصوصًا عندما يكون الطرف المقابل قوة عظمى بحجم الولايات المتحدة.
الأهمية الاستراتيجية للقطب الشمالي
تمثل غرينلاند حجر زاوية في المعادلة الأمنية للقطب الشمالي، نظرًا لموقعها بين أوروبا وأميركا الشمالية، واحتضانها مكونات أساسية من منظومة الدفاع الصاروخي الأميركية. وبالنسبة للدنمارك، فإن التخلي عن غرينلاند لا يعني فقط خسارة إقليم، بل فقدان ثقلها الجيوسياسي في منطقة تشهد تنافسًا متصاعدًا بين القوى الكبرى، في ظل ذوبان الجليد وفتح مسارات جديدة للتجارة والنفوذ العسكري.
كلفة دبلوماسية مرتفعة وخيارات محدودة
يحذر خبراء في السياسة الدولية من أن كوبنهاغن قد تستنزف رصيدها الدبلوماسي في الدفاع عن غرينلاند، فقط لتجد نفسها في نهاية المطاف أمام إقليم يختار الاستقلال أو يعقد صفقة منفردة مع واشنطن. ويرى هؤلاء أن النقاش الحقيقي حول جدوى التمسك بالإقليم غرق في موجة الغضب من التصريحات الأميركية، ما جعل الخيارات الدنماركية تبدو محدودة ومحفوفة بالمخاطر.
تداعيات أوروبية تتجاوز الدنمارك
لا يقتصر القلق الأوروبي على مصير غرينلاند وحدها، بل يمتد إلى ما قد يشكله أي تنازل عن الإقليم من سابقة خطيرة في النظام الدولي القائم منذ الحرب العالمية الثانية. فالسماح بفرض واقع جديد بالقوة أو بالضغط السياسي قد يشجع قوى أخرى على إعادة فتح ملفات حدودية، ما يهدد استقرار النظام الدولي القائم على احترام السيادة والقانون الدولي.

موقف رسمي حازم رغم الغموض
رغم امتناع وزارة الخارجية الدنماركية عن التعليق المباشر، شدد كل من رئيسة الوزراء الدنماركية مته فريدريكسن ورئيس حكومة غرينلاند على أن الحدود والسيادة مسائل يحكمها القانون الدولي، مؤكدين أن غرينلاند «ملك لشعبها». ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تستطيع الدنمارك حماية إقليم يتطلع إلى الاستقلال، في عالم تتغير فيه موازين القوة بسرعة غير مسبوقة؟





