صلاح يشعل أحلام مصر ويعيد صدى الجيل الذهبي في أمسية تستحضر التاريخ
منذ سنوات طويلة لم تعرف الكرة المصرية ليلة بهذه الروح وهذا الإقناع. صحيح أن مصر بلغت نهائيات كأس العالم مرتين منذ نهاية عصرها الذهبي، ووصلت إلى نهائي كأس الأمم الأفريقية مرتين أيضاً، لكن ما قدمه الفراعنة أمام كوت ديفوار كان مختلفاً تماماً. لم يكن عبوراً شاقاً أو فوزاً بأقل مجهود، بل أداءً قوياً أمام أحد عمالقة القارة، أعاد إلى الأذهان أمجاد الماضي.
فوز مصر 3-2 على كوت ديفوار في ربع النهائي يُعد، على الأرجح، أفضل أداء للمنتخب منذ انتصاره التاريخي 4-1 على المنتخب نفسه في نصف نهائي بطولة 2008 في غانا. تلك المباراة ألقت بظلالها على المواجهة الحالية، سواء من حيث الذكريات أو الرمزية، إذ جمعت المدربين اللذين كانا على طرفي نقيض في نهائي 2006، قبل أن يتكرر التفوق المصري بصورة أكثر وضوحاً في 2008.
وسريعاً ما بدت أوجه الشبه. فكما أربك عمرو زكي دفاع كوت ديفوار قبل 18 عاماً، وجد المدافع أوديلون كوسونو نفسه عاجزاً خلال الدقائق الأولى أمام سرعة عمر مرموش، الذي منح مصر التقدم بعد انطلاقة خاطفة.
لكن أهمية الانتصار لم تتوقف عند حدود التاريخ البعيد. فقد أعاد هذا الفوز سيناريو أكثر حداثة، يتمثل في مواجهة مرتقبة في نصف النهائي أمام السنغال، حيث يلتقي محمد صلاح بزميله السابق في ليفربول ساديو ماني، في تكرار لنهائي 2022 ومباراة الملحق المؤهل لكأس العالم، اللتين ابتسمتا حينها للسنغال.
وقبل هذه المباراة، كان أداء مصر باهتاً إلى حد كبير. بدت الأفكار غير مكتملة، ولم يظهر المدرب حسام حسن قادراً على توظيف مرموش وصلاح بالشكل الأمثل. التخلي عن طريقة 4-3-3، ثم العودة إلى الدفاع الثلاثي، أثارا كثيراً من التساؤلات، وكأن المدرب يبحث عن حل يعيد التوازن المفقود.

أمام كوت ديفوار، جاءت المفاجأة. دخلت مصر بطريقة 4-3-1-2، مع إمام عاشور خلف صلاح ومرموش، وهي الخطة التي منحت نيجيريا تفوقاً لافتاً في البطولة. ورغم استحواذ لم يتجاوز 30%، بدت مصر خطيرة في المرتدات، وكان الهدف الثالث نموذجاً مثالياً، حين أنهى صلاح هجمة سريعة بتمريرة ذكية من عاشور.
صحيح أن الكرات الثابتة كشفت بعض هشاشة الدفاع، إلا أن أكثر ما لفت الانتباه كان الضغط الذكي والمحدود، لكنه بالغ الفعالية. الهدف الأول بدأ بقطع حمدي فتحي للكرة من فرانك كيسي في منتصف الملعب، قبل تمرير سريع أطلق مرموش نحو المرمى. حتى الركنية التي جاء منها الهدف الثاني كانت نتيجة ضغط مباشر من مرموش على ظهير كوت ديفوار.
الكرة المصرية فقدت بريقها مع الاضطرابات السياسية بعد 2011، وتراجعت نتائج المنتخب بشكل لافت، حتى غاب عن ثلاث نسخ متتالية من كأس الأمم الأفريقية. ولم يكن ممكناً الجزم بعودة الأمجاد من مباراة واحدة، لكن ما قدمه المنتخب هذه المرة حمل طاقة وذكاءً أعادا إلى الأذهان روح الجيل الذهبي.
مرة أخرى، كانت كوت ديفوار شاهدة على هذا التحول. والآن، تتجه الأنظار إلى السنغال، في محاولة لمصالحة تاريخ قريب، وفتح صفحة جديدة قد تعيد لمصر مكانتها التي طال انتظارها في القارة السمراء.



