فايننشال تايمز: واشنطن تضغط لتسريع تقليص الاعتماد على الصين في المعادن النادرة
تسعى الولايات المتحدة إلى دفع حلفائها وشركائها الرئيسيين نحو تحرك أسرع وأكثر حزماً لتقليص اعتمادهم على الصين في سلاسل توريد المعادن النادرة والحرجة، في ظل تصاعد القلق من استخدام بكين لهذه الموارد كسلاح جيوسياسي. فايننشال تايمز تشير إلى أن إدارة الرئيس الأميركي تكثف جهودها الدبلوماسية والاقتصادية لإقناع الاقتصادات الكبرى بأن الوقت لم يعد يسمح بالتباطؤ، خصوصاً مع تزايد أهمية هذه المعادن في الصناعات الدفاعية، وأشباه الموصلات، والطاقة المتجددة، وصناعة البطاريات. وتأتي هذه الضغوط في وقت تهيمن فيه الصين على معظم عمليات التكرير والإنتاج عالمياً، ما يجعل أي اضطراب في الإمدادات تهديداً مباشراً للأمن الاقتصادي للدول الصناعية.
اجتماع دولي بطابع الاستعجال
يستضيف وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت اجتماعاً يضم وزراء مالية ومسؤولين رفيعي المستوى من دول مجموعة السبع، إلى جانب الاتحاد الأوروبي وأستراليا والهند وكوريا الجنوبية والمكسيك. هذا التكتل يمثل نحو 60% من الطلب العالمي على المعادن الحرجة، ما يمنحه ثقلاً استراتيجياً كبيراً. الرسالة الأميركية واضحة: التحرك الحالي بطيء ولا يتناسب مع حجم المخاطر. بيسنت عبّر عن إحباطه من غياب الإلحاح، رغم الاتفاق السابق على خطة عمل خلال قمة قادة مجموعة السبع في كندا، مؤكداً أن تأخير التنفيذ يمنح الصين هامشاً أوسع لتعزيز نفوذها.

هيمنة صينية مقلقة على سلاسل التوريد
تُظهر بيانات وكالة الطاقة الدولية أن الصين تسيطر على ما بين 47% و87% من عمليات تكرير معادن أساسية مثل النحاس، والليثيوم، والكوبالت، والغرافيت، والمعادن النادرة. هذه الهيمنة لا تقتصر على الإنتاج، بل تمتد إلى مراحل المعالجة والتكرير، وهي الحلقة الأكثر حساسية في سلسلة القيمة. بالنسبة لواشنطن وحلفائها، فإن هذا الوضع يخلق اختلالاً استراتيجياً خطيراً، خصوصاً مع تلويح بكين بفرض قيود تصدير مشددة، وهو ما قد يعطل صناعات حيوية في الغرب خلال فترات قصيرة.
الدروس المستفادة من التجربة اليابانية
تشير النقاشات الأميركية إلى تجربة اليابان عام 2010 كنموذج تحذيري، عندما أوقفت الصين فجأة إمدادات المعادن النادرة، ما دفع طوكيو إلى التحرك سريعاً لتنويع مصادرها. في المقابل، لا تزال معظم دول مجموعة السبع تعتمد بشكل كبير على الصين حتى اليوم. هذا التباين يعكس، بحسب مسؤولين أميركيين، فشلاً جماعياً في استيعاب المخاطر مبكراً. واشنطن ترى أن تكرار سيناريو مماثل على نطاق أوسع قد تكون كلفته الاقتصادية والسياسية أكبر بكثير.
قيادة أميركية وتحالفات بديلة
تؤكد الإدارة الأميركية أنها مستعدة لقيادة الجهود العالمية، عبر مشاركة خططها وتشجيع من يشاركونها الشعور بالإلحاح على التحرك فوراً. وقد بدأت بالفعل بتوقيع اتفاقيات مع دول منتجة مثل أستراليا وأوكرانيا، بهدف تعزيز الإنتاج المحلي وتنويع سلاسل التوريد. اتفاق أكتوبر مع أستراليا، الذي يتضمن مشاريع بقيمة 8.5 مليار دولار، يُعد مثالاً على هذا التوجه، حيث يستهدف إنشاء احتياطي استراتيجي من معادن مثل الليثيوم والمعادن النادرة المعرضة للاضطراب.
اهتمام دولي متزايد بالمبادرات الأسترالية
أعلنت كانبيرا أن مبادرتها في مجال المعادن الحرجة جذبت اهتماماً من أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة، ما يعكس إدراكاً متنامياً لحجم التحدي. غير أن المسؤولين الأميركيين يرون أن هذه الخطوات، رغم أهميتها، لا تزال غير كافية. فتنويع الإمدادات يتطلب استثمارات ضخمة، وتنسيقاً سياسياً عميقاً، وإصلاحات تنظيمية تسمح بتسريع مشاريع التعدين والتكرير خارج الصين

تصعيد صيني يزيد الضغوط
يتزامن هذا الحراك الأميركي مع تقارير عن شروع الصين في تقييد صادرات المعادن النادرة والمغناطيسات القوية إلى شركات يابانية، إضافة إلى حظر تصدير مواد مزدوجة الاستخدام للجيش الياباني. هذه التطورات تعزز قناعة واشنطن بأن المخاطر لم تعد نظرية، بل باتت واقعية ومباشرة. ومع أن الاجتماع المرتقب قد لا يسفر عن إجراءات مشتركة فورية، إلا أنه يمثل، بحسب مراقبين، خطوة حاسمة نحو إعادة رسم خريطة سلاسل التوريد العالمية وتقليص النفوذ الصيني في قطاع بالغ الحساسية.



