فايننشال تايمز: الفائض التجاري الصيني القياسي يعمّق التوترات مع الولايات المتحدة والعالم
تكشف البيانات التجارية الصينية لعام 2025 عن تحول لافت في ميزان التجارة العالمي، بعدما سجلت الصين فائضًا تجاريًا غير مسبوق بلغ 1.2 تريليون دولار، في رقم يعكس قوة الصادرات من جهة، ويثير مخاوف الشركاء التجاريين من جهة أخرى. هذا التطور يأتي في سياق دولي شديد الحساسية، يتسم بعودة التهديدات الحمائية من جانب الولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب، وتصاعد الجدل حول اختلالات التجارة العالمية. ورغم القيود والرسوم المحتملة، أظهرت الصين قدرة واضحة على إعادة توجيه صادراتها نحو أسواق بديلة، ما مكّن اقتصادها من امتصاص الصدمات الخارجية. تقرير فايننشال تايمز يسلط الضوء على جذور هذا الفائض القياسي، وانعكاساته السياسية والاقتصادية، والاتهامات المتبادلة بين بكين وواشنطن حول المسؤولية عن تعميق الاختلالات التجارية.
فائض تاريخي يعيد رسم خريطة التجارة العالمية
تجاوز الفائض التجاري الصيني في 2025 حاجز التريليون دولار للمرة الأولى، في دلالة واضحة على التحولات الهيكلية في تدفقات التجارة العالمية. هذا الرقم القياسي لا يعكس فقط قوة القاعدة الصناعية الصينية، بل يشير أيضًا إلى نجاح بكين في التكيف مع بيئة تجارية أكثر عدائية. فمع تراجع الصادرات إلى السوق الأميركية بشكل ملحوظ، عوضت الشركات الصينية ذلك بزيادة الشحنات إلى الاتحاد الأوروبي ودول جنوب شرق آسيا. هذا التحول أعاد تشكيل مسارات التجارة، وعمّق اعتماد العديد من الاقتصادات على السلع الصينية منخفضة التكلفة، ما زاد من حدة النقاش حول عدالة المنافسة وحماية الصناعات المحلية.
قفزة الصادرات تتحدى التوقعات
أظهرت بيانات الجمارك الصينية نمو الصادرات بنسبة فاقت توقعات المحللين بكثير، خصوصًا في نهاية العام، ما يعكس مرونة غير متوقعة للاقتصاد الصيني. هذه القفزة جاءت رغم أجواء عدم اليقين المرتبطة بالتهديدات الجمركية الأميركية. النمو القوي للصادرات يشير إلى قدرة المصنّعين الصينيين على خفض التكاليف، وتوسيع شبكاتهم التجارية، والاستفادة من الطلب العالمي المتزايد على المنتجات الصناعية. في المقابل، فإن هذا الأداء القوي يعمّق الفجوة بين الصين وشركائها، الذين يرون في هذا الزخم التصديري عامل ضغط على أسواقهم المحلية.
الواردات بين القيود السياسية وضعف الطلب المحلي
في الوقت الذي ارتفعت فيه الصادرات، بقي نمو الواردات محدودًا نسبيًا، ما ساهم في تضخم الفائض التجاري. بكين حمّلت الولايات المتحدة جزءًا كبيرًا من المسؤولية، معتبرة أن القيود المفروضة على تصدير التكنولوجيا المتقدمة، وخاصة أشباه الموصلات، تعيق قدرة الصين على زيادة وارداتها. هذا الطرح يعكس رؤية صينية تعتبر أن تسييس التجارة والتكنولوجيا يخلّ بالتوازن الطبيعي للأسواق. في المقابل، يشير اقتصاديون إلى أن ضعف الاستهلاك المحلي والتباطؤ في قطاع العقارات يلعبان دورًا أساسيًا في كبح الطلب على الواردات.
أوروبا في قلب القلق من السلع منخفضة التكلفة
يضع الفائض التجاري الصيني الضخم الاتحاد الأوروبي في موقع حساس، إذ تواجه أسواقه تدفقًا متزايدًا من السلع الصينية الرخيصة. هذا الواقع دفع بروكسل إلى مطالبة بكين بتحفيز الطلب الداخلي وتقليص الحواجز أمام الواردات المصنعة. القلق الأوروبي لا يقتصر على الأثر الاقتصادي، بل يمتد إلى الأبعاد السياسية والاجتماعية المرتبطة بتراجع بعض الصناعات المحلية. ومع تزايد الاعتماد على المنتجات الصينية، تجد أوروبا نفسها أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على انفتاح الأسواق وحماية تنافسية اقتصادها.
الحرب التجارية وهدنة المصالح
رغم التصعيد الكلامي والتهديد بفرض رسوم جمركية مرتفعة، شهدت العلاقات التجارية بين واشنطن وبكين هدنة مؤقتة بعد تبادل الإجراءات العقابية. الصين استخدمت أوراقًا استراتيجية، أبرزها القيود على تصدير المعادن النادرة الضرورية للصناعات العالمية، ما أعاد التوازن النسبي إلى طاولة التفاوض. هذه الهدنة تعكس طبيعة العلاقة المعقدة بين القوتين، حيث يتداخل الصراع مع الاعتماد المتبادل. غير أن استمرار الفائض التجاري الصيني يهدد بإعادة إشعال التوترات، خاصة مع عودة الخطاب الحمائي إلى الواجهة السياسية الأميركية.
نموذج النمو الصيني تحت مجهر الخبراء
يثير الفائض التجاري القياسي تساؤلات عميقة حول استدامة نموذج النمو الصيني القائم على التصنيع والتصدير. يرى خبراء اقتصاد أن الاعتماد المفرط على الطلب الخارجي يشكل نقطة ضعف هيكلية، خصوصًا في ظل تباطؤ الاستهلاك المحلي والأزمة الممتدة في سوق العقارات. هذا النموذج، رغم نجاحه في تحقيق أرقام قياسية، قد يزيد من الضغوط على الاقتصاد العالمي ويعمّق الاختلالات التجارية. ومع تصاعد الانتقادات الدولية، تواجه بكين تحديًا استراتيجيًا يتمثل في تحقيق توازن أكثر استدامة بين التصدير وتحفيز الطلب الداخلي.



