فايننشال تايمز: الذهب والفضة تحت الاختبار مع إعادة موازنة المؤشرات وموجة بيع تتجاوز 10 مليارات دولار
يواجه سوق المعادن النفيسة أول اختبار حقيقي له في عام 2026، بعدما أدت تغييرات موازين مؤشرات السلع العالمية إلى موجة بيع ضخمة في الذهب والفضة، تقدر قيمتها بأكثر من 10 مليارات دولار. هذا التطور يأتي بعد عام استثنائي شهد قفزات تاريخية في الأسعار، حيث ارتفع الذهب بأكثر من 60% والفضة بأكثر من 160% خلال 2025. إعادة الموازنة السنوية لمؤشرات السلع، والتي تُعد إجراءً تقنيًا في ظاهرها، تحولت هذا العام إلى عامل ضغط فعلي على السوق، في وقت يراقب فيه المستثمرون ما إذا كانت المكاسب القياسية الأخيرة قابلة للاستمرار، أم أن السوق مقبل على مرحلة تصحيح أعمق.
موجة بيع إجبارية تضغط على السوق
وفق تقديرات بنوك استثمارية كبرى، من بينها جيه بي مورغان، من المتوقع أن تقوم الصناديق المتتبعة لمؤشرات السلع ببيع نحو 6.1 مليارات دولار من الفضة و5.6 مليارات دولار من الذهب خلال نافذة إعادة الموازنة الممتدة من 8 إلى 15 يناير. هذه المبيعات لا تعكس بالضرورة تغييرًا في النظرة الأساسية للمعادن، لكنها نتيجة مباشرة لآليات المؤشرات التي تُجبر الصناديق على تقليص الأوزان بعد الارتفاعات الحادة. ومع ذلك، فإن حجم العمليات هذه المرة يجعل تأثيرها على الأسعار أكثر وضوحًا من سنوات سابقة.
لماذا إعادة الموازنة أكثر تأثيرًا هذا العام؟
عادة ما تمر عمليات إعادة الموازنة بهدوء نسبي، لكن القفزات الكبيرة في أسعار بعض السلع خلال 2025 جعلت التعديلات هذا العام أكثر حدة. الذهب والفضة أصبحا يشكلان وزنًا أكبر من المستهدف داخل المؤشرات، ما استدعى عمليات بيع واسعة لإعادة التوازن. محللون يرون أن بدء عام 2026 من قاعدة سعرية مرتفعة للغاية جعل السوق أكثر حساسية لأي تدفقات بيع تقنية، حتى وإن كانت مؤقتة.
الذهب والفضة بين الضغط والفرصة
منذ بداية نافذة إعادة الموازنة، تراجعت أسعار الذهب بنحو 0.6%، بينما هبطت الفضة بأكثر من 4%. ورغم هذا التراجع، يشير بعض المحللين إلى أن هذه الضغوط قد تمثل فرصة للمستثمرين الراغبين في الشراء عند الانخفاضات. تجارب سابقة، لا سيما في 2025، أظهرت أن موجات البيع الإجباري قوبلت بطلب قوي، ما دفع الأسعار لاحقًا إلى مستويات أعلى، وهو سيناريو لا يستبعده كثيرون هذا العام أيضًا.
الفضة في قلب العاصفة
تبدو الفضة الأكثر تأثرًا بعملية إعادة الموازنة، إذ تشير التقديرات إلى أن حجم المبيعات يعادل نحو 10% من إجمالي قيمة العقود المشتقة المفتوحة في بورصة كومكس. هذا الحجم الكبير يجعل الفضة عرضة لتقلبات أعلى على المدى القصير، خاصة في ظل وجود مراكز مضاربة نشطة. ومع ذلك، فإن العوامل الأساسية الداعمة للفضة، مثل الطلب الصناعي والعجز الهيكلي في المعروض، ما زالت قائمة، ما يحد من التشاؤم طويل الأجل.
الكاكاو… الرابح غير المتوقع
في مقابل الضغوط على الذهب والفضة، يترقب سوق الكاكاو موجة شراء قوية نتيجة إعادة إدراجه في مؤشر بلومبرغ للسلع. الصناديق المتتبعة للمؤشر ستضطر إلى شراء كميات تعادل نحو 30% من العقود المفتوحة في بورصة لندن، وهو ما قد يمنح الأسعار دعمًا صعوديًا ملموسًا. هذه التغييرات تفسر جزئيًا الارتفاع الحاد الذي شهده الكاكاو في نوفمبر الماضي، حتى قبل بدء إعادة الموازنة الفعلية.
إعادة الموازنة كمؤشر لصحة السوق
يرى مراقبون أن ما يحدث حاليًا لا يتعلق فقط بتحركات قصيرة الأجل، بل يشكل اختبارًا حقيقيًا لمدى متانة الاتجاه الصاعد الذي شهده سوق المعادن النفيسة. فإذا امتص السوق موجة البيع الحالية دون خسائر كبيرة، فقد يعزز ذلك الثقة في استدامة الأسعار المرتفعة. أما إذا تسارعت عمليات التراجع، فقد يدخل الذهب والفضة مرحلة تصحيح أوسع، بعد عامين من المكاسب الاستثنائية.



