ما يتعلّق بالتقارير الطبية في محاضر الضرب، دليل عملي للمحامين المبتدئين

أولاً: ماهية الدفع بالتناقض البَيِّن بين الدليل الفني والدليل القولي:
كثيراً ما يُسأل المحامي المبتدئ: ما المقصود بالدفع بالتناقض البَيِّن بين الدليل الفني والدليل القولي؟
والإجابة القانونية الدقيقة تكون على النحو الآتي:
1️⃣ الدليل الفني
ويتمثل في التقرير الطبي المقدم من المجني عليه، سواء:
كان التقرير الطبي سابقاً على تحرير المحضر،
أو لاحقاً له، بناءً على جواب رسمي صادر من قسم الشرطة موجَّه إلى المستشفى لتوقيع الكشف الطبي.
والتقرير الطبي ـ في جميع الأحوال ـ يُعد عنصراً فنياً يخضع لتقدير المحكمة.
2️⃣ الدليل القولي
ويتمثل في أقوال الشاكي أو المجني عليه الواردة بمحضر الشرطة أو التحقيقات، سواء تعلقت:
ـ بوصف الواقعة،
ـ أو بكيفية حدوث الإصابة،
ـ أو بالأداة المستخدمة،
ـ أو بمكان وزمان وقوع الاعتداء.
ثانياً: هل التقرير الطبي دليل أم قرينة؟
ـ من المستقر عليه فقهاً وقضاءً أن:
← التقرير الطبي ليس دليلًا قاطعًا، وإنما قرينة من قرائن الإثبات.
والقرينة ـ بطبيعتها ـ أدنى مرتبة من الدليل، ولا تقوم بذاتها مقام الدليل الكامل، ولا تصلح وحدها لإسناد الاتهام، ما لم تُعزَّز بدليل آخر، كـ:
ـ شهادة الشهود،
ـ أو اعتراف،
ـ أو قرائن متساندة تطمئن إليها المحكمة.
ـ ويُشبه التقرير الطبي في ذلك تحريات الشرطة، التي تُعد:
إجراءً استقصائياً، لا تعبر إلا عن رأي مُجريها، ويجوز العدول عنها أو طرحها في أي وقت.
قضاء النقض:
ـ استقر قضاء محكمة النقض المصرية على أن:
← الدليل الفني لا يعدو كونه قرينة على حدوث الإصابة، وليس قرينة على إسناد الاتهام. ولا يُبنى الحكم الجنائي عليه وحده دون تعزيزه بأدلة أخرى. (الطعن رقم 1540 لسنة 53 ق)
كما قررت أن:
← الأحكام الجنائية تُبنى على الجزم واليقين، لا على الظن والاحتمال.
ثالثاً: متى يكون التقرير الطبي معتبراً قانوناً؟
لكي يكتسب التقرير الطبي وزنه كقرينة معتبرة، يجب أن تتوافر فيه البيانات الجوهرية الآتية:
1ـ بيان نوع الإصابة وصفاً دقيقاً.
2ـ تحديد سبب الإصابة المحتمل.
3ـ بيان مدة العلاج اللازمة.
4ـ تحديد الأداة المُحدثة للإصابة ـ إن أمكن.
5ـ تحديد تاريخ حدوث الإصابة.
6ـ أن يكون التقرير صادراً عن طبيب مختص ومختوم بخاتم جهة رسمية.
← وإذا تخلف أي من هذه العناصر، ضعف التقرير وسقطت قيمته الاستدلالية.
رابعاً: التناقض البَيِّن بين التقرير الطبي وأقوال الشاكي
قد يثور في الدعوى تناقض صارخ وفاضح بين الدليل القولي والدليل الفني، وهو ما يُعد من أقوى دفوع البراءة.
مثال عملي:
الشاكي قرر أن:
ـ المشكو في حقه اعتدى عليه بعصا،
ـ وأحدث له كدمة في الظهر والرجل اليمنى فقط.
بينما ورد بالتقرير الطبي:
بيان الإصابة:
ـ كدمات بالظهر،
ـ كدمات بالرجل اليمنى،
ـ كدمات بالذراع الأيمن،
ـ وسحجات مغزلية.
موطن التناقض:
الشاكي لم يذكر:
ـ إصابة بالذراع الأيمن،
ـ ولم يذكر عضة أو سحجات مغزلية.
ـ التقرير الطبي أثبت إصابات لم ترد بأقواله.
وهذا التناقض:
ـ يُهدر الثقة في الرواية،
ـ ويُضعف نسبة الإصابة للمشكو في حقه،
ـ ويُثير الشك في كيفية حدوث الواقعة.
خامساً: الدفوع القانونية المتعلقة بالتقارير الطبية
يمكون للمحامي ـ بحسب ظروف كل دعوى ـ التمسك بالدفوع الآتية:
الدفع ببطلان التقرير الطبي.
الدفع باصطناع التقرير الطبي.
الدفع بالتناقض البَيِّن بين الدليل الفني والدليل القولي.
الدفع بعدم الاعتداد بالتقرير الطبي لكونه قرينة لا دليلًا.
سادساً: أمثلة فنية لأنواع الإصابات
لفهم التقرير الطبي عملياً، يجب الإحاطة بالآتي:
الكدمة: تنتج عن جسم صلب، كالعصا أو الشومة.
السحجة: تنتج عن جسم صلب راضٍ خشن، وقد تكون:
خدوشًا،
سحجات احتكاكية،
أو سحجات عضّية مغزلية.
الجرح الهَرْسي: جرح رضي متهتك نتيجة اصطدام جسم متحرك بعضو من أعضاء الجسم.
الجرح المُزعي: جرح متهتك مصحوب ببتر جزئي أو كلي.
إصابة بسيطة: مدة علاجها أقل من 21 يومًا.
إصابة جسيمة: مدة علاجها تزيد على 21 يومًا.
خلاصة مهنية
التقرير الطبي:
ـ لا يُدين وحده،
ـ ولا يُبرئ وحده،
ـ بل يُفكَّك، ويُقرأ، ويُوازن مع باقي عناصر الدعوى.
والمحامي الحقيقي هو من: يقرأ ما وراء التقرير، ويستخرج من تناقضاته أسباب البراءة.



