فايننشال تايمز: بكين تضخ أموالاً قياسية في مبادرة الحزام والطريق لإعادة رسم خريطة النفوذ العالمي
تشير تحليلات دولية حديثة إلى أن الصين دخلت مرحلة جديدة من التوسع الاقتصادي الخارجي، مستخدمة مبادرة «الحزام والطريق» كأداة مركزية لتعزيز نفوذها في عالم يشهد تحولات سياسية واقتصادية متسارعة. فبحسب ما ترصده التيليجراف البريطانية، ضخت بكين خلال عام 2025 تمويلاً غير مسبوق في مشاريع البنية التحتية والطاقة والموارد الطبيعية عبر قارات عدة، مستفيدة من حالة عدم اليقين التي تطغى على النظام الدولي وتراجع الحضور الأميركي في بعض المناطق الحيوية. هذا التوسع لا يقتصر على البعد الاقتصادي فحسب، بل يحمل أبعاداً استراتيجية عميقة تتعلق بسلاسل الإمداد، والأمن الطاقوي، وإعادة تشكيل التحالفات مع دول نامية باتت ترى في الصين شريكاً قادراً على تنفيذ مشاريع ضخمة بشروط أقل تعقيداً من المؤسسات الغربية التقليدية.
قفزة تمويلية تعكس طموحاً استراتيجياً
شهد عام 2025 قفزة لافتة في حجم التمويل الصيني الموجه لمبادرة الحزام والطريق، إذ ارتفعت الاستثمارات بنحو ثلاثة أرباع لتصل إلى أكثر من 213 مليار دولار، وهو أعلى مستوى منذ إطلاق المبادرة. هذا الارتفاع يعكس توجهاً واضحاً لدى بكين لاستثمار الفجوات التي خلّفتها التحولات الجيوسياسية، خصوصاً في ظل تذبذب التزام الولايات المتحدة بالاستثمار الخارجي طويل الأمد. وتؤكد دراسات متخصصة أن هذه الطفرة لم تكن عشوائية، بل جاءت نتيجة تخطيط دقيق يركز على قطاعات حيوية قادرة على تحقيق عوائد اقتصادية وتأثير سياسي في آن واحد، ما يعزز قدرة الصين على تثبيت أقدامها في أسواق جديدة.
الطاقة في صدارة الأولويات الصينية
احتلت مشاريع الطاقة، ولا سيما الغاز والطاقة المتجددة، مركز الصدارة ضمن استثمارات الحزام والطريق خلال العام الماضي. فقد استحوذ هذا القطاع على عشرات المليارات من الدولارات، في مؤشر على سعي الصين لتأمين احتياجاتها المستقبلية من الطاقة وتقليل اعتمادها على مسارات إمداد غير مستقرة. كما يعكس التركيز على الطاقة النظيفة رغبة بكين في ترسيخ صورتها كقائد عالمي في التحول الأخضر، مستفيدة من خبرتها الصناعية والتكنولوجية. هذه المشاريع لم تقتصر على التوليد فحسب، بل شملت شبكات النقل والبنية التحتية المرتبطة بها، ما يمنح الصين نفوذاً طويل الأمد في الدول المستقبلة للاستثمارات.
الموارد الطبيعية وسلاسل الإمداد
إلى جانب الطاقة، برز قطاع المعادن والتعدين كأحد أبرز محركات التوسع الصيني، مع تسجيل استثمارات قياسية في معالجة المعادن خارج الأراضي الصينية. ويُنظر إلى هذا التوجه على أنه خطوة استراتيجية لضمان وصول مستدام إلى مواد أساسية تدخل في الصناعات المتقدمة، مثل النحاس المستخدم بكثافة في مراكز البيانات وتقنيات الذكاء الاصطناعي. ومن خلال هذه الاستثمارات، تسعى بكين إلى بناء سلاسل إمداد أكثر استقلالية، تقلل من تعرضها للضغوط أو القيود التي قد تفرضها قوى منافسة في أوقات التوتر السياسي أو الاقتصادي.
ثقة متزايدة في الشركات الصينية
تشير تقارير بحثية إلى أن الدول النامية باتت أكثر استعداداً لمنح الشركات الصينية عقوداً ضخمة ومعقدة، مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عقد من الزمن. ويرجع ذلك إلى التطور الكبير الذي شهدته هذه الشركات من حيث الحجم والخبرة والقدرة على تنفيذ مشاريع عملاقة في بيئات صعبة. كما أن نماذج التمويل الصينية، التي غالباً ما تكون أقل تشدداً من حيث الشروط السياسية، عززت من جاذبية بكين كشريك تنموي. هذا التحول في الثقة يعكس تغيراً في ميزان القوى الاقتصادية العالمية، حيث لم تعد الشركات الغربية الخيار الوحيد أمام الحكومات الباحثة عن التنمية السريعة.
انتقادات ومخاوف غربية متصاعدة
على الرغم من الزخم الكبير الذي تحققه مبادرة الحزام والطريق، فإنها لا تخلو من انتقادات حادة، خاصة من قبل دوائر غربية تحذر من مخاطر الديون وعدم الشفافية. فبعض التقارير تشير إلى أن طبيعة القروض وشروطها قد تضع الدول المستفيدة تحت أعباء مالية ثقيلة، وتمنح الصين نفوذاً سياسياً متزايداً. كما تثار تساؤلات حول صعوبة تتبع الحجم الحقيقي للمبادرة بسبب تعدد آليات التمويل واستخدام هياكل استثمارية معقدة. ومع ذلك، تستمر بكين في توسيع نطاق المبادرة، مستفيدة من حاجة العديد من الدول إلى التمويل والبنية التحتية.
عالم يتغير وبكين تملأ الفراغ
في ظل الاضطرابات التي تشهدها التجارة العالمية وأسواق الطاقة، تبدو الصين عازمة على استغلال اللحظة التاريخية لتعزيز موقعها كلاعب محوري في الاقتصاد الدولي. فالتوسع المتسارع في مبادرة الحزام والطريق لا يعكس فقط طموحاً اقتصادياً، بل يعبر عن رؤية بعيدة المدى لإعادة تشكيل النظام العالمي بما يخدم مصالح بكين الاستراتيجية. وبينما تتردد قوى كبرى أخرى في الالتزام بمشاريع طويلة الأجل، تمضي الصين قدماً في بناء شبكات نفوذ تمتد من آسيا إلى أفريقيا وأميركا اللاتينية، مستندة إلى مزيج من التمويل، والتكنولوجيا، والقدرة التنفيذية.



