انتهاء معاهدة “نيو ستارت”.. العالم على أعتاب سباق تسلح نووي جديد بين واشنطن وموسكو
يواجه النظام الدولي لحظر انتشار الأسلحة النووية اختبارًا خطيرًا مع اقتراب انتهاء صلاحية معاهدة “نيو ستارت” بين الولايات المتحدة وروسيا، وهي آخر اتفاقية كبرى تحدد سقف الترسانتين النوويتين الأكبر في العالم. ويثير انتهاء المعاهدة مخاوف واسعة من انهيار منظومة الحد من التسلح التي استمرت لأكثر من نصف قرن، في وقت تتصاعد فيه التوترات الجيوسياسية عالميًا، خاصة بعد الحرب في أوكرانيا وتصاعد المنافسة العسكرية بين القوى الكبرى. ويرى خبراء أن غياب القيود القانونية على تطوير ونشر الرؤوس النووية قد يفتح الباب أمام سباق تسلح جديد يهدد الاستقرار الدولي ويضعف نظام عدم الانتشار النووي. ويأتي ذلك في ظل تراجع الثقة المتبادلة بين موسكو وواشنطن، وغياب مؤشرات واضحة على التوصل إلى اتفاق بديل في المستقبل القريب.
نهاية آخر قيود على أكبر ترسانتين نوويتين في العالم
تنتهي معاهدة “نيو ستارت” التي وُقعت عام 2010 بين واشنطن وموسكو، لتزيل القيود التي كانت تحدد عدد الرؤوس النووية الاستراتيجية المنشورة عند 1550 رأسًا لكل طرف، إضافة إلى وضع سقف لعدد أنظمة الإطلاق مثل الصواريخ والقاذفات. وشكلت المعاهدة طوال سنواتها إطارًا رئيسيًا للحفاظ على توازن الردع النووي بين القوتين العظميين. ومع انتهاء الاتفاق، لن تبقى أي آلية قانونية تُلزم الطرفين بضبط حجم ترساناتهما النووية، ما يثير مخاوف من توسع سريع في برامج التسلح النووي لدى البلدين، خاصة في ظل التصعيد السياسي والعسكري المتزايد بينهما.

تصاعد التوترات السياسية يقوض فرص التمديد أو التجديد
رغم اقتراح روسي سابق بتمديد المعاهدة لمدة عام إضافي، لم تشهد المفاوضات أي تقدم ملموس، حيث أشارت موسكو إلى أنها لم تتلق ردًا رسميًا من واشنطن على المقترح. وفي المقابل، ألمح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إمكانية التخلي عن الاتفاق والسعي إلى صياغة اتفاق جديد يشمل الصين، وهو ما اعتبره خبراء خطوة معقدة وصعبة التنفيذ، نظرًا لاختلاف حجم الترسانة النووية الصينية مقارنة بالولايات المتحدة وروسيا. ويرى محللون أن غياب أرضية تفاوضية مشتركة يعكس عمق الخلافات السياسية والعسكرية بين القوى النووية الكبرى.
انهيار منظومة الرقابة والتفتيش يزيد مخاطر سوء التقدير العسكري
لم تقتصر معاهدة “نيو ستارت” على وضع حدود رقمية للأسلحة النووية، بل تضمنت نظامًا متقدمًا لتبادل البيانات وإجراء عمليات تفتيش متبادلة لتعزيز الشفافية وتقليل احتمالات سوء التقدير العسكري. إلا أن روسيا علقت مشاركتها في هذه الآليات عام 2023 احتجاجًا على الدعم الغربي لأوكرانيا، ما أضعف فعالية الاتفاق حتى قبل انتهاء صلاحيته. ويخشى خبراء الأمن الدولي من أن غياب آليات الرقابة سيزيد احتمالات التصعيد النووي غير المقصود نتيجة سوء الفهم أو الحسابات الخاطئة بين القوى النووية.
تداعيات محتملة على نظام عدم الانتشار النووي العالمي
يشكل انتهاء المعاهدة تهديدًا مباشرًا لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية لعام 1970، التي تقوم على التزام الدول النووية بخفض ترساناتها مقابل تعهد الدول الأخرى بعدم تطوير أسلحة نووية. ويحذر خبراء من أن انهيار التزامات القوى الكبرى قد يدفع دولًا أخرى إلى إعادة النظر في سياساتها النووية، ما قد يؤدي إلى توسع دائرة الدول المالكة للسلاح النووي. كما أن استمرار الاستثمارات الضخمة في تحديث الترسانات النووية لدى الولايات المتحدة وروسيا يعزز المخاوف من دخول العالم مرحلة جديدة من التنافس العسكري النووي.

تراجع فعالية الردع النووي في حفظ الاستقرار الدولي
رغم أن الردع النووي كان يُنظر إليه تاريخيًا كعامل يمنع اندلاع حروب مباشرة بين القوى الكبرى، يرى بعض المحللين أن هذا المفهوم بدأ يفقد تأثيره في ظل الصراعات الحالية، خاصة بعد الحرب الروسية الأوكرانية وتصاعد التوتر بين روسيا وحلف شمال الأطلسي. ويشير خبراء إلى أن انتشار الأسلحة النووية وتطور أنظمة التسليح الحديثة قد يزيد من تعقيد الحسابات العسكرية بدلاً من تحقيق الاستقرار، ما يجعل العالم أكثر عرضة لمخاطر المواجهة النووية المباشرة أو غير المباشرة في المستقبل.



