ثورة الطاقة النظيفة تقود اقتصاد الصين.. استثمارات قياسية تتجاوز 90% من نمو الاستثمار وتعيد رسم خريطة الطاقة العالمية
تشهد الصين تحولًا اقتصاديًا غير مسبوق تقوده قطاعات الطاقة النظيفة، بعدما كشفت تحليلات حديثة أن الصناعات المرتبطة بالطاقة المتجددة كانت المحرك الأساسي لنمو الاستثمارات داخل ثاني أكبر اقتصاد في العالم خلال العام الماضي. وتشير البيانات إلى أن هذه القطاعات لم تعد مجرد توجه بيئي أو استراتيجي، بل تحولت إلى ركيزة رئيسية للنمو الاقتصادي الصيني، مع توسع ضخم في تصنيع وتصدير السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة الشمسية وطاقة الرياح. ويأتي هذا التحول رغم الضغوط التجارية العالمية والسياسات الحمائية التي تتبناها بعض القوى الكبرى، ما يعكس قدرة بكين على ترسيخ موقعها كقوة صناعية وتقنية تقود مستقبل الطاقة عالميًا.
الطاقة النظيفة تتحول إلى محرك اقتصادي عملاق
أظهرت التحليلات أن الصناعات المرتبطة بالطاقة النظيفة ساهمت بأكثر من 90% من نمو الاستثمارات في الصين خلال العام الماضي، وهو رقم يعكس التحول الهيكلي في الاقتصاد الصيني. كما تجاوز حجم هذه القطاعات اقتصادات معظم دول العالم، حيث أصبحت أكبر من اقتصادات جميع الدول باستثناء سبع فقط. وأسهمت هذه الصناعات في أكثر من ثلث النمو الاقتصادي للصين، ما يؤكد تحولها إلى أحد الأعمدة الرئيسية التي تعتمد عليها بكين لتحقيق أهدافها التنموية.
قفزة مالية ضخمة ترفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي
سجلت قطاعات الطاقة النظيفة نشاطًا اقتصاديًا قياسيًا بلغ نحو 15.4 تريليون يوان، أي ما يعادل نحو 2.2 تريليون دولار، وهو رقم يوازي تقريبًا الناتج المحلي الإجمالي لدول كبرى مثل البرازيل أو كندا. وارتفعت مساهمة هذه القطاعات في الاقتصاد الصيني إلى أكثر من 11% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بنحو 7% فقط قبل ثلاث سنوات، ما يعكس تسارعًا ملحوظًا في التحول نحو الاقتصاد الأخضر.
الطلب المحلي يقود التوسع في الطاقة المتجددة
يرجع الجزء الأكبر من هذا النمو إلى الطلب الداخلي المتزايد على مشاريع الطاقة المتجددة، حيث توسعت الصين في نشر محطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بوتيرة تفوق إجمالي التوسع في بقية دول العالم مجتمعة. ويرى مستشارون حكوميون أن التحول الجاري لا يقتصر على تغيير مصادر إنتاج الكهرباء، بل يشمل إعادة هيكلة شاملة للبنية التحتية للطاقة والنقل داخل البلاد، مع توسع كبير في استخدام السيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة.
قطاع البطاريات يتصدر طفرة الابتكار الصناعي
برزت صناعة البطاريات كأسرع القطاعات نموًا ضمن منظومة الطاقة النظيفة، مع تطوير تقنيات أكثر كفاءة تدعم انتشار السيارات الكهربائية وتحديث شبكات الكهرباء عبر أنظمة التخزين المتقدمة. ويعزز هذا التطور قدرة الصين على الحفاظ على موقعها كأكبر مصنع عالمي للتقنيات الخضراء، ما يمنحها ميزة تنافسية في الأسواق الدولية.
الصادرات الخضراء تعيد تشكيل سوق الطاقة العالمي
ساهمت الطفرة الإنتاجية الصينية في خفض تكلفة الطاقة الشمسية عالميًا، حيث وصفت الوكالة الدولية للطاقة الكهرباء الشمسية بأنها أصبحت الأرخص في التاريخ بفضل التوسع الصناعي الصيني. كما ارتفعت صادرات التقنيات النظيفة إلى دول الجنوب العالمي، خاصة في أفريقيا، حيث بدأت السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية في الانتشار بوتيرة أسرع من المتوقع، ما يعزز دور الصين كلاعب رئيسي في التحول العالمي نحو الطاقة المستدامة.
صراع الفحم والطاقة النظيفة يحدد مستقبل التحول الصيني
رغم هذا التقدم الكبير، لا يزال قطاع الفحم يشكل تحديًا أمام التحول الكامل نحو الطاقة النظيفة داخل الصين، حيث تستمر خطط بناء محطات كهرباء تعمل بالفحم بطاقة ضخمة. ويرى خبراء المناخ أن الصين تقف عند نقطة تحول تاريخية، إذ يُتوقع أن تتجاوز الطاقة الشمسية الفحم كمصدر رئيسي للطاقة لأول مرة قريبًا، لكن استمرار الاستثمار في الفحم قد يخلق أصولًا اقتصادية غير مستغلة مستقبلاً ويزيد من كلفة التحول الطاقي، ما يجعل الاتجاه النهائي للسياسة الصينية مرهونًا بخططها التنموية المقبلة.



