فايننشال تايمز: شركات السيارات ترفض مقترح «صُنع في أوروبا»… انقسام أوروبي في مواجهة المدّ الصيني
كشفت خلافات حادة داخل صناعة السيارات الأوروبية عن عمق الانقسام حول خطة بروكسل الرامية إلى فرض أولوية لمنتجات «صُنع في أوروبا»، في محاولة للحد من الاعتماد المتزايد على الصين ومواجهة تدفق السيارات الصينية منخفضة التكلفة. فبينما تحظى المبادرة بدعم واسع من شركات صناعية كبرى، امتنعت شركات السيارات عن الانضمام إليها، محذّرة من أن القواعد المقترحة قد تقوّض تنافسية الصناعة الأوروبية بدل حمايتها. هذا التردد يعكس صراعًا أوسع داخل الاتحاد الأوروبي بين حماية الإنتاج المحلي والحفاظ على سلاسل التوريد العالمية التي تقوم عليها صناعة السيارات الحديثة.
مبادرة أوروبية طموحة تواجه تحفظات كبرى
المبادرة التي يقودها المفوض الأوروبي للاستراتيجية الصناعية ستيفان سيجورنيه تهدف إلى ربط الدعم الحكومي الأوروبي بنسبة المكونات المنتجة داخل القارة، على أساس مبدأ واضح: المال العام الأوروبي يجب أن يخدم الإنتاج الأوروبي. وقد دعا سيجورنيه قادة الصناعة إلى دعم هذه الرؤية عبر مقال رأي مشترك يروّج لما يُعرف بسياسات «التفضيل الأوروبي». ورغم انضمام أكثر من ألف مدير تنفيذي واتحاد صناعي، غابت شركات السيارات عن قائمة الموقعين، في مؤشر مبكر على حجم القلق داخل هذا القطاع الحيوي.
غياب شركات السيارات… قلق من التفاصيل لا من الفكرة
بحسب مصادر مطلعة، لا تعارض شركات السيارات مبدأ دعم الإنتاج المحلي من حيث المبدأ، لكنها تتحفظ على غياب الوضوح بشأن تعريف «صُنع في أوروبا» وكيفية تطبيق القواعد عمليًا. فالصناعة تعتمد على سلاسل توريد عالمية معقدة، وأي قيود صارمة قد تفرض أعباء إضافية على الشركات الأوروبية في مواجهة منافسين صينيين أقل كلفة. هذا الغموض دفع شركات كبرى إلى اعتبار التوقيع على المبادرة بمثابة «شيك على بياض» دون معرفة التفاصيل الحاسمة.
قانون المسرّع الصناعي… تأجيل يعكس الجدل
كان من المفترض طرح مشروع «قانون المسرّع الصناعي» في ديسمبر، لكن الموعد أُجّل أكثر من مرة ليصل إلى فبراير، في خطوة تعكس الخلافات داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي نفسها. بعض المسؤولين يرون أن المقترح «غير ناضج» وقد يصعب تطبيقه، فيما يؤكد فريق سيجورنيه أن التأجيل هدفه الحفاظ على مستوى الطموح المرتفع وعدم التسرع في طرح تشريع غير متكامل.
نسبة المكوّن المحلي… نقطة اشتباك رئيسية
أحد أكثر الجوانب إثارة للجدل هو الحديث عن فرض نسبة مكوّنات محلية تصل إلى 70% في السيارات. هذا الشرط يثير انقسامًا حادًا بين الشركات، نظرًا لتوزع عمليات التصنيع والهندسة عبر قارات عدة. وتدور نقاشات داخل بروكسل حول خفض هذه النسب أو تقليص عدد القطاعات المشمولة بالقانون، في محاولة لتخفيف حدة الاعتراضات.
دعم مشروط وتحذيرات من فقدان التنافسية
شركات مثل رينو وستيلانتس وفولكسفاغن أبدت دعمًا مبدئيًا لفكرة مكافأة التجميع والهندسة المحلية، خصوصًا في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة والعمالة في أوروبا. في المقابل، حذّر الرئيس التنفيذي لـBMW من أن فرض قواعد محلية معقدة قد يدفع أوروبا إلى التخلف في سباق الابتكار العالمي. كما دعت شركات أخرى إلى توسيع تعريف «صُنع في أوروبا» ليشمل دولًا مثل بريطانيا وتركيا، معتبرة أن استبعادها سيضعف القاعدة الصناعية الأوروبية بدل تعزيزها.
انقسام سياسي أوروبي قديم يتجدد
تعكس هذه الخلافات انقسامًا سياسيًا واقتصاديًا أعمق داخل الاتحاد الأوروبي. ففرنسا لطالما دعمت سياسات حماية المحتوى المحلي، بينما تميل ألمانيا ودول الشمال الأوروبي إلى الأسواق المفتوحة والتجارة الحرة. ومع تصاعد المنافسة الصينية، يعود هذا الجدل بقوة، ليضع أوروبا أمام خيار صعب: حماية صناعتها عبر قيود جديدة، أم الحفاظ على انفتاحها مع المخاطرة بتآكل حصتها الصناعية عالميًا.



