فايننشال تايمز: الهند تفتح أبواب اقتصادها للعالم… مودّي يقود تحولًا تاريخيًا نحو التجارة الحرة
تشهد الهند تحولًا اقتصاديًا استراتيجيًا غير مسبوق، بعدما اندفعت حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودّي إلى توقيع اتفاقيات تجارية كبرى مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، في خطوة تمثل انقلابًا على نهج اقتصادي ظل لعقود قائمًا على حماية الأسواق المحلية. ويأتي هذا التحول في وقت تواجه فيه نيودلهي ضغوطًا جيوسياسية واقتصادية متزايدة، تدفعها إلى البحث عن نموذج نمو جديد قائم على التصدير والتصنيع، بدلًا من الاعتماد التقليدي على السوق الداخلية. ويرى محللون أن هذه الاتفاقيات قد تعيد رسم موقع الهند داخل الاقتصاد العالمي، لكنها في الوقت نفسه تثير جدلًا داخليًا حول تأثيرها على القطاعات الزراعية والصناعات المحلية الحساسة.
اتفاقيات تاريخية تعيد رسم سياسة الهند التجارية
أعلن رئيس الوزراء الهندي أن بلاده باتت شريكًا موثوقًا للعديد من الاقتصادات العالمية، مشيرًا إلى أن الاتفاقيات المبرمة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تعكس الثقة الدولية المتزايدة في الهند. ويصف خبراء الاقتصاد هذه الاتفاقيات بأنها تمثل تحولًا جذريًا لدولة عُرفت تاريخيًا بسياسات حمائية قوية منذ استقلالها عام 1947. وتشير التقديرات إلى أن هذه الاتفاقيات ستؤدي إلى خفض غير مسبوق في الرسوم الجمركية على السلع الصناعية، وهو ما لم يكن ممكنًا قبل سنوات قليلة. وتراهن الحكومة الهندية على أن الانفتاح التجاري سيمنح صادراتها وصولًا إلى أكبر الأسواق الاستهلاكية في العالم، مما يعزز تنافسية الشركات المحلية ويزيد من فرص النمو الاقتصادي طويل الأجل.

ضغوط جيوسياسية دفعت نيودلهي لتسريع الانفتاح الاقتصادي
يرى محللون أن التغير في السياسة التجارية للهند جاء نتيجة واقع دولي معقد، حيث تجد نيودلهي نفسها بين علاقات متوترة مع الصين وتقلبات في السياسات التجارية الأميركية. كما أن رفع الولايات المتحدة الرسوم الجمركية على بعض الصادرات الهندية، خاصة بسبب استمرار نيودلهي في شراء النفط الروسي، شكّل عامل ضغط دفع الحكومة إلى البحث عن اتفاقيات أوسع تضمن حماية مصالحها الاقتصادية. وتندرج هذه الاتفاقيات ضمن استراتيجية أوسع بدأتها الهند عبر توقيع اتفاقيات تجارية مع دول مثل الإمارات وأستراليا، ثم مع رابطة التجارة الحرة الأوروبية والمملكة المتحدة ونيوزيلندا، ما يعكس توجهًا واضحًا نحو تعزيز اندماجها في الاقتصاد العالمي.
تحرير تدريجي للأسواق مع الحفاظ على القطاعات الحساسة
رغم الطابع التحرري للاتفاقيات الجديدة، حرصت الهند على حماية قطاعات زراعية رئيسية مثل الحبوب ومنتجات الألبان، التي توفر فرص عمل لملايين المواطنين وتمثل ركيزة للاستقرار الاجتماعي. ومع ذلك، وافقت نيودلهي على توسيع نطاق استيراد بعض المنتجات الغذائية التي تعتمد عليها مثل التفاح والبقوليات. كما تعهدت بخفض الرسوم الجمركية المرتفعة على منتجات صناعية أوروبية مثل السيارات والمواد الكيميائية ومستحضرات التجميل، مع تنفيذ هذه التخفيضات تدريجيًا على مدى يصل إلى عشر سنوات. ومن أبرز التغييرات خفض الرسوم على السيارات الأوروبية من أكثر من 100% إلى نحو 10% ضمن حصص استيراد محددة سنويًا، وهو ما يعكس حجم التحول في السياسات التجارية للهند.
الرهان على التصنيع والتصدير لخلق طفرة اقتصادية جديدة
تسعى حكومة مودّي إلى تحويل قطاع التصنيع إلى محرك رئيسي للنمو الاقتصادي، في ظل تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى أدنى مستوياتها خلال ثلاث سنوات. ويأمل صناع القرار أن يؤدي الانفتاح التجاري إلى جذب استثمارات صناعية ضخمة، خاصة في القطاعات كثيفة العمالة مثل المنسوجات والإلكترونيات. وقد حققت الهند بالفعل نجاحًا لافتًا في هذا المجال بعد انتقال جزء من تصنيع هواتف آيفون إلى مصانع داخل البلاد، حيث تجاوزت صادرات هذه الهواتف عشرات المليارات من الدولارات خلال فترة قصيرة. كما يُتوقع أن تستفيد صناعة النسيج من خفض الرسوم الأوروبية على المنتجات الهندية إلى الصفر، ما قد يضاعف صادرات القطاع خلال السنوات المقبلة ويوفر ملايين فرص العمل.

تحديات سياسية واقتصادية قد تعرقل الإصلاحات
رغم المكاسب المحتملة، تواجه سياسات تحرير التجارة معارضة داخلية تتهم الحكومة بتقديم تنازلات، خاصة في ما يتعلق بالتعريفات الزراعية والتزامات الطاقة. ويرى بعض الخبراء أن الإصلاحات التي نفذتها الحكومة حتى الآن لا تزال تدريجية، وأن تحقيق هدف تحويل الهند إلى اقتصاد متقدم بحلول عام 2047 يتطلب تغييرات أعمق في بنية الاقتصاد وسوق العمل. كما يشكك دبلوماسيون في أن يؤدي هذا الانفتاح الثنائي إلى تغيير موقف الهند داخل منظمة التجارة العالمية، حيث عُرفت تاريخيًا بتشددها في المفاوضات متعددة الأطراف. ويؤكد مراقبون أن نجاح التجربة الهندية سيعتمد على قدرة الحكومة على تحقيق توازن دقيق بين حماية القطاعات المحلية والانفتاح على المنافسة العالمية.



