الايكونوميست: احذروا موجة الذهب المحترقة… تفسير واحد يبدو منطقيًا — ولن يطمئن المستثمرين
يستخدم المتعاملون في سوق الذهب مفردات تشبه لعبة البوكر:

المستثمرون “ذوو الأيدي القوية” هم الذين يتمسكون بالمعدن مهما تقلبت الأسعار، أما “الأيدي الضعيفة” فهي التي تنهار عند أول هزة. وفي كل موجة صعود، يحاول المتفائلون إقناع الآخرين بأن عدد الأيدي القوية يتغلب على الضعيفة — وأن الارتفاع هذه المرة له ما يبرره. تنهار الرواية عندما يلين السوق. فإذا ارتد السعر لاحقًا تزداد الثقة بها، وإن لم يرتد تنهار معها كل التفسيرات.
هذا العام، يبدو أن “الثيران” — أي المتفائلين — يربحون بسهولة.
بعد وصول الذهب إلى مستوى قياسي عند 4,380 دولارًا للأوقية في 20 أكتوبر، تراجع بأكثر من 10% ثم استعاد جزءًا كبيرًا من خسائره. المعدن الأصفر أصبح أعلى بـ55% منذ يناير، متجاوزًا ذروته التاريخية المعدّلة حسب التضخم (1980) بنحو 47%. بعض المحللين يتوقعون أنه قد يكسر مستوى 5,000 دولار بحلول عام 2026 — رغم أن أحدًا لم يتوقع تخطي حاجز 4,000 دولار خلال 2025.
فهل التفسيرات المتداولة حول هذا الصعود مقنعة؟
الاحتمال الأول: المؤسسات المالية تبحث عن ملاذ آمن… لكن الواقع لا يؤيده
عادةً ما ترتفع أسعار الذهب في أوقات الأزمات الكبرى — كما حدث بعد انفجار فقاعة الدوت كوم، وفي أزمة 2008، وخلال جائحة كورونا.
لكن هذه المرة لا يوجد ركود عالمي:
• مؤشر S&P 500 الأمريكي ارتفع بأكثر من 30%
• أسعار الفائدة الحقيقية لا تزال مرتفعة
ومع أن الأسواق شهدت توترات — من حرب ترامب التجارية مع الصين إلى اضطرابات الشرق الأوسط وأطول إغلاق حكومي في تاريخ أمريكا — إلا أن صعود الذهب كان شبه خطّي، ولا يبدو منسجمًا مع هذه الصدمات المتقطعة.
الاحتمال الثاني: البنوك المركزية تهرب من الدولار… نظرية “فقدان الثقة”
هناك من يرى أن البنوك المركزية — خاصة في الأسواق الناشئة — تشتري الذهب لتقليل اعتمادها على الدولار خوفًا من تضخم أمريكي جامح أو من تراجع استقلالية الفيدرالي.
لكن هذه الرواية تفتقر إلى الأدلة:
• لو كانت المؤسسات تتخلص من السندات الأمريكية بكميات ضخمة، لانهار الدولار وارتفعت عوائد سندات الخزانة — ولم يحدث ذلك.
• مشتريات البنوك المركزية الفعلية تباطأت وفق بيانات صندوق النقد الدولي.
• الزيادة في حصة الذهب من الاحتياطيات تعود أساسًا إلى ارتفاع سعره، لا إلى شراء كميات ضخمة منه.
الاحتمال الثالث — والأرجح: صناديق التحوط والمضاربون يقودون المشهد
آخر بيانات هيئة CFTC قبل توقفها بسبب الإغلاق الحكومي أظهرت أن صناديق التحوط تمتلك 200 ألف عقد شراء للذهب — أعلى مستوى في تاريخها، ما يعادل 619 طنًا من المعدن.
كما ارتفعت مشتريات صناديق المؤشرات (ETFs)، ثم بدأت بالتراجع، وهو ما يفسّر موجة التراجع الأخيرة للذهب قبل أن تعاود التدفقات الصعود من جديد.
هذا يشير إلى أن السعر يتحرك بحسب شهية المضاربين، لا بحسب الطلب الحقيقي من البنوك أو المستثمرين المؤسساتيين.
النتيجة: موجة “زخم” قد تنقلب على أصحابها
ما بدأ — قبل أشهر — كموجة شراء محدودة من بعض البنوك المركزية، تحول الآن إلى كتلة ضخمة من “الأموال الساخنة” تلاحق السعر وتدفعه إلى أعلى.
لكن تداول الزخم (Momentum Trade) لا يستمر إلى الأبد.
كلما طالت الموجة، كان سقوطها أشد على المستثمرين الأكثر جرأة ممن يظنون أن “اليد القوية” ستربح دائمًا في النهاية



