تصاعد الغضب الاقتصادي يربك ترامب: استراتيجية الخطاب العرقي تفقد زخمها أمام الناخبين الأميركيين
مع اقتراب المعركة الانتخابية الأميركية من منعطف حاسم، يجد الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه في مواجهة ارتدادات استراتيجية اتكأ فيها على الخطاب العرقي أكثر مما اعتمد على الهموم الاقتصادية للناخبين. فبعد فوزه بالانتخابات مستندًا إلى استياء متزايد من التضخم وارتفاع كلفة المعيشة، فضّل ترامب تغذية المخاوف المرتبطة بالهجرة والهوية العرقية على معالجة التحديات الاقتصادية التي تثقل كاهل قواعده الريفية والعمالية. ومع استمرار ضعف النمو الاقتصادي وتراجع ثقة المستهلك الأميركي إلى مستويات تاريخية، لم يعد الخطاب الشعبوي قادرًا على حجب آثار السياسات التي رفعت الأسعار وأضعفت شبكات الحماية الاجتماعية. وفي لحظة سياسية حساسة، بدأ الناخبون يوجّهون رسالة واضحة: لا يمكن لتعظيم الانقسامات العرقية أن يعوّض عن إخفاقات ملموسة في إدارة الاقتصاد، خصوصًا في ظل انتخابات محلية أظهرت انتقال ولايات محسوبة على الجمهوريين نحو التصويت الاحتجاجي. هذا التحوّل يعيد رسم التوازنات داخل المشهد السياسي الأميركي، ويضع ترامب أمام تحدٍّ محوري يختبر مستقبل نفوذه الانتخابي.
اقتصاد مضطرب يعصف بصورة ترامب
دخل ترامب السباق الانتخابي معتمدًا على سردية تزعم قدرته على إنقاذ الاقتصاد الأميركي من التضخم وتراجع المعيشة، مستندًا إلى موجة غضب بين الناخبين تجاه ارتفاع الأسعار. لكن التحول المفصلي حدث حين انغمس الرئيس في خطاب عرقي متشدد، متجاهلًا آثار سياساته الجمركية التي رفعت الأسعار وأبطأت خلق الوظائف. وقد أدت هذه السياسات، إضافة إلى تقليص برامج التأمين الصحي ودعم الغذاء، إلى تعميق هشاشة الطبقات الفقيرة والمتوسطة التي شكّلت تاريخيًا عماد قاعدته الانتخابية. ومع تدهور مؤشر ثقة المستهلك الصادر عن جامعة ميشيغان إلى مستويات قريبة من أسوأ معدلاته منذ عقود، بدا واضحًا أنّ الأميركيين يشعرون بضغط اقتصادي خانق لا تخففه الشعارات القومية. هذا التدهور انعكس مباشرة على نسب تأييده، إذ باتت الإدارة الاقتصادية والتعامل مع التضخم والوظائف محور النقد الأساسي ضد الرئيس.
توظيف القضايا العرقية… حدود لعبة خطرة
رغم الارتداد الاقتصادي المتزايد، واصل ترامب الاعتماد على الخطاب العرقي بوصفه أداته الأساسية لحشد الدعم، مؤطرًا المدن الأميركية المتنوعة باعتبارها بؤرًا للفوضى، ومقدّمًا الهجرة على أنها تهديد وجودي لأميركا البيضاء. هذا النهج الذي تجذّر منذ حملته الأولى تعمّق مع هجمات متواصلة على برامج التنوع والإنصاف في الجامعات، وعلى سياسات الإدارات المحلية التي يديرها الديمقراطيون. ورغم أن هذا الخطاب يلقى صدى بين شريحة من الناخبين البيض القلقين من التحولات الديمغرافية، فإن توظيفه المكثف بدأ يصطدم بحدود المجتمع الأميركي الذي يشهد تنوعًا هو الأكبر في تاريخه. وفي سياق تحليلي أوسع، تشير دراسات اقتصادية واجتماعية إلى أن الانقسامات العرقية لعبت دورًا محوريًا في إعاقة بناء دولة رفاه قوية في الولايات المتحدة، مقارنة بالدول الأوروبية الأكثر تجانسًا، ما يجعل الخطاب العرقي أداة سياسية قصيرة الأجل لا تعالج جذور الأزمة الاقتصادية.
صناديق الاقتراع تكشف التحوّل
أظهرت الانتخابات المحلية الأخيرة أن موجة السخط الاقتصادي باتت أهم من الخطابات التعبوية. فالديمقراطيون حققوا مكاسب لافتة في ولايات تمثل رموزًا للنفوذ الجمهوري، من فيرجينيا إلى الميسيسيبي وجورجيا، إضافة إلى فوزهم برئاسة بلدية نيويورك وتمرير خطة لإعادة تقسيم الدوائر في كاليفورنيا قد تكلف الجمهوريين خمسة مقاعد في مجلس النواب. هذا التحوّل الانتخابي يعكس حالة إعادة اصطفاف داخل المجتمع الأميركي، حيث بدأت فئات كانت تُعدّ جزءًا من القاعدة الصلبة لترامب في توجيه عقاب انتخابي واضح، خصوصًا بعد أن رأت أن السياسات الاقتصادية لم تحقق الوعود المعلنة. وفي مواجهة هذه النتائج، سعى ترامب إلى استعادة زمام المبادرة عبر خطوات متأخرة، منها إلغاء رسوم جمركية كان قد فرضها، واقتراح قروض عقارية تمتد لخمسين عامًا، وطرح أفكار لتحفيز استهلاك الأسر، إلا أنها قوبلت بتشكيك واسع باعتبارها محاولات انتخابية متأخرة.
الاقتصاد يفرض نفسه على الخارطة السياسية
في المشهد الآني، يبدو أن استراتيجية ترامب القائمة على تأجيج القضايا العرقية وصلت إلى حدودها القصوى، ولم تعد قادرة على كبح غضب الناخبين من التدهور الاقتصادي الذي يشعرون به يوميًا. وبينما يواصل الديمقراطيون استثمار إخفاقات الإدارة الاقتصادية في حملاتهم المقبلة، يبدو أن المعركة السياسية ستدور حول قدرة ترامب على ترميم ثقة تآكلت بفعل السياسات لا الخطابات. ومع اقتراب انتخابات منتصف الولاية، بات واضحًا أن الرهان على الانقسام العرقي وحده لا يكفي لإعادة تشكيل الخريطة السياسية؛ فالأميركيون، في نهاية المطاف، يصوّتون لجيوبهم قبل شعارات الانتماء.



