كارثة حريق هونغ كونغ: 36 قتيلًا ومئات المفقودين في أسوأ مأساة منذ عقود
تعيش هونغ كونغ حالة من الصدمة بعد الحريق الهائل الذي اجتاح مجمع Wang Fuk Court السكني في منطقة تاي بو، والذي تحول خلال ساعات قليلة إلى واحدة من أكبر الكوارث المدنية في تاريخ المدينة الحديث. ومع الإعلان عن ارتفاع عدد الضحايا إلى 36 قتيلًا ووجود 279 مفقودًا حتى فجر الخميس، تصاعدت حالة القلق الشعبي بشأن قدرة السلطات على التعامل مع الكارثة، خاصة مع صعوبة عمليات الإنقاذ وتعقيد البنية العمرانية للمنطقة التي تُعد من أكثر المناطق كثافة سكانية في العالم. ورغم الجهود الضخمة التي شارك فيها ما يقارب 800 فرد من قوات الإطفاء، فإن ارتفاع درجات الحرارة داخل الأبراج وطبيعة الحريق الذي بدأ في الهياكل الخارجية من bamboo scaffolding أدّيا إلى انتشار النيران بسرعة هائلة. وترافق ذلك مع شهادات مؤلمة للسكان الذين وقفوا عاجزين أمام مشهد الأبراج المشتعلة، في وقت بدأت تثار فيه تساؤلات حول سلامة معايير البناء، ونظام إدارة الأزمات، ومسؤولية السلطات عن تكرار حرائق مشابهة خلال الشهور الماضية، ما يجعل هذه الكارثة اختبارًا حقيقيًا للحكومة قبل انتخابات المجالس المحلية مطلع ديسمبر.


عمليات الإنقاذ تحت ضغط كثافة الدخان وارتفاع الحرارة
واجه عناصر الإطفاء تحديات غير مسبوقة داخل الأبراج السكنية، إذ أكد مسؤولون أن درجات الحرارة في الطوابق العليا كانت مرتفعة لدرجة منعت القوات من التقدم داخل المباني، ما أعاق عمليات الاقتحام والبحث عن العالقين. وتم رفع مستوى الحريق إلى الدرجة الخامسة، وهو أعلى مستويات الطوارئ في هونغ كونغ، ما استدعى نشر 128 شاحنة إطفاء وآلاف المعدات بين الأنقاض. وأغلقت السلطات الطرق الرئيسة المحيطة بالمجمع لتسهيل حركة الفرق الميدانية، بينما واصل السكان متابعة المشهد من الشوارع المجاورة وسط حالة من الذهول. ووفق رئيس السلطة التنفيذية جون لي، فإن الأولوية هي إخماد النيران وإنقاذ العالقين وتقديم الرعاية الطبية للمصابين الذين بلغ عددهم 29 شخصًا، بينهم سبعة في حالة حرجة، فيما لا يزال الغموض يحيط بمصير مئات المفقودين.

شهادات مفجعة من سكان أبراج Wang Fuk Court
أعاد الحريق إلى الواجهة قصصًا شخصية موجعة لضحايا ومفقودين اضطروا لمواجهة الموت داخل منازلهم. فقد روى سكان كثيرون لحظات الرعب التي عاشوها، بينهم رجل سبعيني يُدعى “وونغ” انهار باكيًا وهو يؤكد أن زوجته ما زالت عالقة داخل أحد الأبراج. كما تحدّث “هاري تشيونغ”، البالغ من العمر 66 عامًا، عن سماعه دوّي انفجار قبل أن يشاهد ألسنة اللهب تتصاعد من المبنى المجاور، ما دفعه إلى الفرار فورًا وجمع ما استطاع من حاجياته. ووقف المئات في محيط المجمع، بعضهم يجهش بالبكاء، وهم يشاهدون النيران تلتهم الطوابق واحدًا تلو الآخر. وتُظهر مقاطع مصوّرة انتشار ألسنة اللهب عبر الواجهات الخارجية وامتدادها إلى داخل الشقق في مشهد يعكس مدى سرعة انتشار الحريق في المباني السكنية شاهقة الارتفاع.

أسئلة صعبة حول معايير البناء واستخدام السقالات البامبو
أعادت الكارثة فتح النقاش حول سلامة السقالات البامبو التي تُستخدم بكثافة في مواقع البناء في هونغ كونغ، رغم إعلان السلطات سابقًا عن خطط للتقليل منها تدريجيًا. وتشير التحقيقات الأولية إلى أن الحريق بدأ من الهياكل الخارجية المحيطة بالأبراج قبل أن يمتد إلى داخلها، فيما حذّرت جمعية دعم ضحايا حوادث العمل من تكرار حرائق مشابهة خلال أبريل ومايو وأكتوبر الماضيين. ورغم أن هونغ كونغ تمتلك معايير بناء متقدمة مقارنة بعقود مضت، إلا أن الحادث كشف عن ثغرات في إدارة السلامة، خصوصًا في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية التي تضم أعدادًا كبيرة من كبار السن. وقد يزيد الحريق من الضغوط السياسية على الحكومة التي تواجه بالفعل انتقادات بسبب أزمة الإسكان وارتفاع أسعار العقارات التي تعد من الأعلى عالميًا.
تداعيات سياسية واجتماعية قبل انتخابات ديسمبر
تزامن الحريق مع أجواء سياسية حساسة، إذ تستعد المدينة لانتخابات المجالس المحلية المقررة في 7 ديسمبر، ما دفع السلطات إلى تعليق فعاليات انتخابية عدة تضامنًا مع الضحايا. كما أعلن الرئيس الصيني شي جينبينغ تقديم تعازيه، في إشارة إلى أهمية الحدث على المستوى الوطني. وفتحت السلطات المحلية ملاجئ مؤقتة في مراكز مجتمعية استقبلت مئات المتضررين الذين فقدوا منازلهم أو منعوا من العودة إليها. وتشكل الكارثة اختبارًا لقدرة الحكومة على إدارة الأزمات، خاصة في ظل تزايد الانتقادات المتعلقة بالاستجابة الطارئة وسرعة التدخل. وقد يترك الحريق أثرًا طويل الأمد في الوعي العام حول السلامة المدنية، مسلطًا الضوء على ضرورة مراجعة سياسات البناء، وتطوير أدوات الإنقاذ في المناطق ذات الكثافة الشديدة.



