أزمة الإسكان تدفع جيل Z إلى الكريبتو و”العدمية الاقتصادية”

يتعرّض جيل Z لاتهامات متواصلة من الأجيال الأكبر بأنه كسول، متهور ماليًا، ويبحث عن الرفاهية السريعة. غير أن التحول الحقيقي لا يكمن في الاتهامات، بل في تفسير السلوك الاقتصادي لهذا الجيل في ظل تغيّر واقع الفرص. فالدراسة الحديثة الصادرة عن جامعتي شيكاغو ونورث ويسترن تكشف أن التراجع في الجهد الوظيفي، وزيادة الإنفاق على الترفيه، والتوجه نحو الأصول عالية المخاطر مثل العملات الرقمية، ليست نزوات شبابية، بل ردود عقلانية على تراجع إمكانية امتلاك منزل. فمع ارتفاع أسعار العقارات وانهيار قدرة الدخول المتوسطة على الادخار، يفقد جزء كبير من الشباب الحافز للعمل بجد، فيتحول إلى خيارات مالية عالية المخاطرة أو إلى حالة من “العدمية الاقتصادية”. هذه الدينامية تُعيد رسم سلوكيات سوق العمل وتضع ضغوطًا على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في الدول الغربية.
تحول عقلية جيل Z: السلوكيات ليست تمردًا بل رد فعل اقتصادي
الدراسة الأمريكية تثبت أن الشباب الذين يرون امتلاك منزل هدفًا مستحيلاً يميلون إلى تقليل ساعات العمل، وزيادة الإنفاق على الترفيه، والدخول في استثمارات عالية المخاطرة. على العكس، من يمتلكون فرصة حقيقية لتجميع دفعة مقدمة لسكن يحافظون على جهدهم الوظيفي ويتجنبون المجازفة المفرطة. هذه الأنماط، التي تتكرر أيضًا في بريطانيا، تشير إلى أن السلوك المالي لجيل Z يتحول مع تغيّر الحوافز الاقتصادية، وليس كنتيجة لانفصال عن الواقع أو ضعف في الانضباط.
العدمية الاقتصادية: لماذا يعملون إذا كان الهدف غير قابل للتحقيق؟
يتوسع المفهوم الذي تصفه الباحثة الاقتصادية Kyla Scanlon بـ”العدمية المالية”: عندما يدرك الفرد أنه لن يتمكن من شراء منزل خلال حياته العملية، يصبح الادخار بلا مغزى، والعمل ساعات إضافية بلا مقابل حقيقي. هذا يفسّر ظهور ظواهر مثل “الاستقالة الصامتة” و”رفض سباق تسلق السلم الوظيفي”. الحقيقة أن الوظائف لم تكن ممتعة في الماضي أكثر مما هي اليوم، لكن العمل الجاد كان طريقًا واضحًا لامتلاك منزل. اليوم اختفى هذا الطريق، فاختفى معه الحافز.
دور الأهل وتفاقم عدم المساواة بين الشباب
أحد أهم المحركات الجديدة للأزمة هو تضخم أهمية الدعم الأسري. معظم المشترين الجدد للمنازل في الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا يعتمدون على مساعدة الوالدين لسداد الدفعة الأولى. بمعنى آخر: الحصول على منزل لم يعد مرتبطًا بالعمل بل بالوراثة الطبقية. هذا يعمّق الفجوة بين شباب لديهم “شبكة دعم مالي” وآخرين محرومين منها، ويدفع الفئة الأخيرة إلى استراتيجيات استثمارية محفوفة بالمخاطر.
النتائج الاجتماعية والاقتصادية: من المخاطرة الفردية إلى أزمة شاملة
تحذّر الدراسات من أن تزايد دخول الشباب إلى مجالات مثل العملات المشفرة، المراهنات الإلكترونية، وعمليات التداول السريع، قد يقود إلى خسائر مالية غير قابلة للتعويض. ومع ذلك، فإن هؤلاء الشباب يتحركون وفق منطق اقتصادي: إذا كان الادخار مسارًا مسدودًا، فلا خيار سوى المجازفة. المشكلة أن هذا السلوك الفردي يتحول إلى مشكلة اقتصادية جماعية تهدد الاستقرار المالي وتعمّق الفوارق بين الطبقات.
ما الذي يجب أن تفعله الحكومات؟ إصلاح جذري لا ترميم سطحي
تقدم النتائج رسائل واضحة لصناع السياسات:
• لا يمكن معالجة سلوكيات جيل Z بتوجيه اللوم أو حملات “نصائح مالية” فقط، بل يجب حلّ المشكلة الأصلية: الإسكان.
• دون تدخل كبير لزيادة العرض السكني أو دعم الدفعات الأولى، ستتفاقم الأزمة وتستمر العدمية.
• يجب تعزيز الثقافة المالية للشباب، خاصةً أولئك الذين سيدخلون سوق الأصول عالية المخاطرة بدون أدوات تقييم واضحة.
• السياسات الحالية التي تعتمد على “السوق الحر” فشلت في تمكين الشباب من شراء منازل، ما يتطلب تدخلات هيكلية لا تجميلية.
خاتمة
جيل Z لا يهرب من المسؤولية، بل يتصرف وفق منطق اقتصادي صلب في ظل نظام فقد فيه العمل قيمته كمسار مضمون لتحسين الحياة. ومع استمرار أزمة الإسكان في الغرب، سيظل الشباب يبحث عن طرق بديلة للثراء، ولو كانت محفوفة بالخطر. المطلوب من الحكومات ليس لوم الجيل، بل إعادة بناء الجسر المنهار بين الجهد والفرصة، قبل أن تتحول العدمية المالية إلى أزمة اجتماعية كاملة.



