“معركة الجثامين: صفقة مُرّة بين إسرائيل وحماس تكشف عن وجع النزاع المستمر”
مع بدء العدّ التنازلي لإطلاق سراح نحو 20 رهينة على قيد الحياة من قطاع غزة، تستعد إسرائيل لمهمة أكثر قتامة وتعقيدًا: استعادة جثث قتلاها من داخل القطاع، في عملية باتت جزءًا راسخًا من عقيدتها الأمنية ومن وعودها الاجتماعية تجاه عائلات الجنود.
منذ هجمات 7 أكتوبر 2023، حين اقتادت حركة حماس نحو 250 شخصًا إلى غزة، تحوّلت قضية الجثامين إلى هاجس دائم لدى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. فمع توغل الجنود داخل الأنفاق المظلمة، ظهرت وحدات كوماندوز صغيرة مُكلّفة بجمع عينات من الجثث المجهولة على أمل أن تتطابق لاحقًا مع رفات رهائن قُتلوا.
ومع توسع العمليات البرية وسيطرة الجيش الإسرائيلي على مناطق أوسع داخل القطاع، شرعت الجرافات في نبش مقابر فلسطينية — وقد وثّقت منظمات حقوقية أربع عمليات كهذه على الأقل — بهدف البحث عن جثث محتجزين إسرائيليين ربما دُفنوا وسط قتلى الغارات. وتحوّل الأمر تدريجيًا إلى ملف بالغ الحساسية، يتجاوز الدوافع العسكرية ليصبح رمزًا للعلاقة المعقدة بين الدولة ومجتمعها.
عقيدة إسرائيل القديمة: “استعادة الجندي مهما كان الثمن”
لطالما شكّلت استعادة جثامين الجنود جزءًا أساسيًا من الهوية الأمنية لإسرائيل. فالدولة التي تبني خطابها على “عدم ترك جنودها خلف خطوط العدو”، ترى في إعادة الرفات عهدًا مقدسًا تجاه الآباء الذين سلّموا أبناءهم للجيش. ولا يزال الإسرائيليون يتابعون حتى اليوم جهود العثور على بقايا الجاسوس إيلي كوهين في سوريا، رغم مرور عقود على إعدامه في دمشق عام 1965. وقد عاد جزء من مقتنياته فقط في عام 2018، بينما أعلنت السلطات السورية الجديدة استعدادها لإعادة أرشيف شامل لممتلكاته لتهدئة التوترات.
لكن هذه العقيدة تتصادم مع سياق أكثر قسوة في الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، حيث يحتفظ كل طرف بجثامين الطرف الآخر، ويوظفها في مفاوضات تتراوح بين السرية والعلنية، في واحدة من أعقد ملفات النزاع وأكثرها إيلامًا.

معادلة قاسية: جثث الرهائن مقابل جثث الغزيين
وفقًا للخطة الأمريكية التي صاغها الرئيس دونالد ترامب لإنهاء الحرب، تلتزم حماس بتسليم جثث 28 رهينة، إلى جانب الرهائن الأحياء. وفي المقابل، ستسلّم إسرائيل جثامين 15 فلسطينيًا مقابل كل جثمان إسرائيلي — معادلة غير متكافئة تعكس حجم الفجوة في الخسائر البشرية بين الطرفين.
نتنياهو أعلن أن “كل رهينة متوفٍ سيُعاد ليدفن وفق الشريعة اليهودية”، مؤكداً أن الحكومة ستواصل العمل لاستعادة جميع الرفات باعتبار الأمر “واجبًا مقدسًا”. ومع ذلك، تشير مصادر إسرائيلية إلى أن الاتفاق يتضمن هامشًا من المرونة، إذ تدرك تل أبيب وواشنطن أن حماس قد لا تتمكن من تحديد مواقع جميع الجثامين بحلول الموعد النهائي.
وتتضمن الخطة إنشاء فريق دولي بقيادة الجنرال الإسرائيلي غال هيرش، يضم ممثلين من الولايات المتحدة ومصر وتركيا وقطر. وسيُعهد إليه بالبحث عن بقايا الرهائن الذين لم تحدد حماس مواقعهم — سواء عجزًا أو تعمدًا.

أعداد هائلة من الضحايا: ملف مفتوح بلا نهاية
حتى الآن، استردت إسرائيل جثامين ما لا يقل عن 50 رهينة خلال الحرب. ففي أغسطس 2024، اكتشف الجيش رفات ستة رهائن اختبأت خلف جدار أُقيم داخل منزل في خان يونس. كما أُفرج عن ثمانية آخرين خلال فترات التهدئة.
لكن في المقابل، تحتجز إسرائيل أعدادًا ضخمة من جثث الفلسطينيين — ربما تصل إلى 2000، وفق المنظمات الحقوقية وتقارير إعلامية. ويشمل ذلك 726 جثمانًا من الضفة الغربية وحدها، دُفنوا في “مقابر الأرقام”، حيث تُعرّف القبور بأرقام فقط دون أسماء، ولا تعرف عائلاتهم المكان الدقيق لرفاتهم.
أما في غزة، فتشير تقارير إسرائيلية إلى وجود أكثر من 1500 جثمان محفوظة داخل ثلاجات ضخمة، أبرزها في معهد أبو كبير للطب الشرعي في تل أبيب، أكبر مركز تُخزَّن فيه الجثامين مجهولة الهوية.
حرب الأموات: معركة مستمرة رغم توقف البنادق
تحوّلت قضية الجثامين إلى مساحة ممنوعة على الطرفين، تتداخل فيها المشاعر الدينية والضغوط السياسية والقانونية. فبينما يطالب السياسيون اليمينيون في إسرائيل باستخدام الجثث كورقة ضغط على حماس، يتجه ليبراليون إلى المحكمة العليا للمطالبة بإعادة جثث الفلسطينيين لعائلاتهم.
من جهة أخرى، استغرقت مفاوضات بشأن جثامين جنديين قُتلا في حرب 2014 نحو عشر سنوات، إلى أن نجحت إسرائيل قبل أشهر في استعادة جثمان أحدهما، أورون شاؤول، خلال عمليات الحفر السرية الأخيرة. أما الجندي الثاني، هدّار غولدن، فلا يزال مفقودًا، وسط دعوات من عائلته لمضاعفة جهود البحث قبل الموافقة على أي صفقة تبادل.

التكنولوجيا في خدمة البحث عن القبور
يتولى مهمة البحث ميدانيًا وحدتان عسكريتان: “يشاعَر”، المختصة بانتشال جثامين الجنود من ساحات القتال، و“إيتان”، التي تعتمد على تقنيات متقدمة لتحليل الصور الجوية الضخمة التي تجمعها الطائرات المسيرة.
ويقول أحد أفراد الاحتياط في الوحدة إن دقة الصور تكفي لرصد تغييرات بسيطة في شكل التربة أو نوع النباتات التي تنمو فوق القبر الجديد. لكنه يستدرك: “في غزة، كانت القبور في كل مكان… والجثث في كل مكان. لم تعد التقنية كافية”.
عائلات بلا قبور… وأمل لا ينطفئ
يرى مختصون أن العائلات الإسرائيلية التي تأكد مقتل أبنائها تعيش مرحلة انتظار مؤلمة، إذ لا يكتمل الحداد إلا بعد دفن الجثمان. ويقول البروفيسور حجاي ليفين، الذي يدعم عائلات الرهائن، إن كثيرين “يدركون أن أبناءهم رحلوا، لكنهم يحتاجون إلى اليقين وإلى قبر يضعون عليه الورود”.
ففي حربٍ يخوضها الطرفان فوق الأرض وتحتها، تبدو المعركة على الجثامين فصلًا آخر من فصول النزاع؛ فصل لا تنتهي مآسيه لا بوقف إطلاق النار ولا بانتهاء العمليات، بل بعودة رفات كل مفقود، مهما طال الانتظار.



