من الاندفاع إلى التراجع… كيف انهار أكبر مشروع للتحول الأخضر في تاريخ عمالقة الطاقة؟

قصة طموح كبير وانسحاب أكبر شهدت شركتا BP وShell خلال العقد الماضي أحد أكثر التحولات الاستراتيجية جرأة في تاريخ صناعة الطاقة، حين حاول عملاقا النفط البريطانيان إعادة تشكيل نماذج أعمالهما والانتقال من الوقود الأحفوري إلى الطاقة المتجددة. لكن هذه الموجة التحويلية، التي صاحبتها وعود ضخمة بإنفاق عشرات المليارات، انتهت إلى التراجع، وإلغاء وحدات كاملة، وخسائر تقدر بمليارات الدولارات.
يكشف هذا التقرير كيف بدأت الثورة الخضراء داخل الشركتين، ولماذا فشلت، وكيف وجدت BP وShell نفسيهما تعودان في النهاية إلى جوهر أعمالهما التقليدية: النفط والغاز.
مقدمة التحول: وعود ضخمة وحماس غير مسبوق
في فبراير 2020، وبعد أسبوع واحد من توليه منصب الرئيس التنفيذي، أعلن برنارد لوني عن خطة تحوّل جذرية لـBP، متعهداً بتقليص إنتاج النفط والغاز وخفض الانبعاثات إلى الصفر بحلول 2050. اعتبر لوني أن مستقبل الشركة يكمن في الطاقة النظيفة، ووجّه رسالة صادمة لإدارة الشركة: “إذا رأى أحد أن BP تتصرف عكس ما أعلنته اليوم، أريد أن يخبرني فورًا.”
في الطرف الآخر، كانت Shell قد سبقت BP بست سنوات من الإصلاحات تحت قيادة بن فان بيردن، الذي رأى أن البقاء على المدى الطويل لن يكون ممكنًا دون إعادة تعريف دور الشركة في مستقبل الطاقة النظيفة.
بدت الأسواق متحمسة. شركات مثل Ørsted اعتلت القمة بعد تحولها الكامل إلى الطاقة المتجددة. ودفع المستثمرون الكبار، مثل BlackRock، باتجاه الاستثمار الأخضر. بدا وكأن العالم يقف على أعتاب عصر جديد من التخلص السريع من الوقود الأحفوري.

كيف انهار الطموح؟ أخطاء التقدير ورهانات خاسرة
1. القفز المفاجئ إلى صناعة الكهرباء
رغم أن BP وShell تمتلكان خبرة هائلة في النفط والغاز، فإنهما أخطأتا حين افترضتا أن هذه الخبرة يمكن نقلها ببساطة إلى قطاع الكهرباء، وهو قطاع مختلف كلياً ويعمل بهوامش ربح أقل ومنافسة شرسة.
2. مقاومة داخلية ونزاعات بين الإدارات
داخل Shell، قوبلت المشاريع الجديدة بمقاومة من إدارات المالية والقانون والخزينة، التي رأت أن العائد ضعيف وأن المخاطرة كبيرة.
وفي BP، شكا موظفون من أن التغييرات كانت “سريعة ومدمرة” بعد تفكيك الهيكل التقليدي للشركة واستحداث وحدات غير واضحة المهام.
3. الرهان الخاطئ على سرعة الانتقال العالمي
استثمرت الشركتان مليارات في الطاقة المتجددة بناءً على افتراضات متفائلة بأن العالم سيتحول بسرعة نحو الحياد الكربوني. لكن ذلك لم يحدث.
تبيّن لاحقاً أن الطلب على النفط والغاز سيستمر لعقود، وأن تغيير البنية العالمية للطاقة يحتاج زمناً أطول.
4. الحرب في أوكرانيا: اللحظة التي قلبت الطاولة
أدّى الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 إلى أزمة طاقة عالمية رفعت الأسعار، وأعادت الاعتبار للنفط والغاز كمصدر أساسي للطاقة.
فجأة، بدأ المستثمرون يضغطون على BP وShell للتوقف عن ملاحقة مشاريع غير مربحة، والعودة إلى الأعمال التقليدية التي تجلب أرباحاً أكبر.
تراجع سريع… وخسائر بمليارات الدولارات
بحلول 2023، بدأت الشركتان في تقليص وحدات الطاقة النظيفة وإلغاء مشاريع أو بيعها بخسائر ضخمة.
BP كتبت ما يقدر بمليارات الدولارات من القيمة الدفترية لبعض وحداتها.
Shell اتهمت إدارتها الجديدة الأقسام الخضراء بالفشل وقامت بخفض التمويل وإعادة ترتيب الأولويات.
معظم الموظفين الذين تم تعيينهم في هذا التحول رحلوا، بينما أعلن الرؤساء التنفيذيون الجدد أن العودة إلى النفط والغاز أصبحت ضرورة.
كما قال الرئيس التنفيذي لـBP موراي أوشنكلوس:”لقد كان تفاؤلنا بشأن انتقال سريع للطاقة في غير محله… ذهبنا بعيداً وبسرعة كبيرة.”
دروس التجربة: لماذا فشل العملاقان في بناء مستقبل أخضر؟
التسرع في قراءة اتجاهات السوق – لم تكن التكنولوجيا ولا البنية التحتية جاهزة للتحوّل السريع.
فجوة المهارات – شركات النفط ليست شركات كهرباء، والانتقال بينهما ليس مجرد نقل أموال.
عدم صبر المستثمرين – سوق الطاقة المتجددة يحتاج سنوات طويلة للعائد، بينما طلب المستثمرون أرباحاً فورية.
غياب قيادة مستمرة – مع تغيير القيادات في BP وShell، تغيّرت الرؤية بالكامل.
خلاصه:
المستقبل ما بين الطموح الأخضر والواقعية النفطية
تُظهر قصة BP وShell أن الانتقال إلى الطاقة النظيفة في الشركات الكبرى ليس مجرد قرار تنظيمي، بل تحول هيكلي معقد يحتاج وقتاً واستثمارات ضخمة وفهماً دقيقاً لطبيعة السوق.
اليوم، ورغم التراجع، فقد كشفت التجربة عن حقيقة باتت واضحة في قطاع الطاقة:
التحول الأخضر قادم… لكنه سيكون أبطأ، وأصعب، وأكثر تكلفة مما توقعه الجميع.

إقرأ أيضا:
حشد روسي ضخم غرب دونيتسك… وتصاعد التحذيرات الأوكرانية من هجوم واسع على بوكروفسك




