هولندا تعزز مظلتها الجوية بأنظمة «سكاي رينجر» لمواجهة تصاعد تهديدات المسيّرات

تشهد البيئة الأمنية الأوروبية تحولات متسارعة فرضت على الدول إعادة تقييم منظوماتها الدفاعية، خصوصًا في ما يتعلق بالتصدي للتهديدات غير التقليدية مثل الطائرات المسيّرة. وفي هذا السياق، تأتي خطوة هولندا بتوقيع عقد جديد لشراء أنظمة الدفاع الجوي المتطورة من طراز «سكاي رينجر» لتعكس وعيًا متزايدًا بطبيعة المخاطر الحديثة، التي لم تعد تقتصر على الطائرات المقاتلة أو الصواريخ بعيدة المدى. فالمسيّرات، بمرونتها وتكلفتها المنخفضة وقدرتها على تنفيذ مهام استطلاع أو هجوم دقيق، باتت عنصرًا حاسمًا في النزاعات المعاصرة. وتستند لاهاي في توجهها الجديد إلى دروس مستخلصة من الصراعات الأخيرة، حيث أثبتت أنظمة الدفاع التقليدية محدوديتها أمام أهداف صغيرة وسريعة ومنخفضة الارتفاع. ومن هنا، تسعى هولندا إلى بناء طبقة دفاعية أكثر تكاملًا، قادرة على حماية قواتها وبنيتها التحتية الحيوية، مع تعزيز مساهمتها في منظومة الردع الجماعي لحلف شمال الأطلسي.
عقد دفاعي بجدول زمني طموح
وقّعت وزارة الدفاع الهولندية العقد في مدينة سوستربرغ، متضمنًا تزويد القوات المسلحة بـ30 نظامًا من «سكاي رينجر»، تشمل منصات قتالية متنقلة وأخرى ثابتة، إلى جانب أجهزة محاكاة متقدمة مخصصة للتدريب. ويعكس هذا التنوع في مكونات الصفقة مقاربة شاملة لا تركز فقط على اقتناء السلاح، بل تمتد إلى بناء قدرات تشغيلية وبشرية قادرة على الاستفادة القصوى من التكنولوجيا الجديدة. وينص الاتفاق على تسليم الأنظمة كاملة قبل نهاية عام 2029، وهو إطار زمني يُعد مضغوطًا نسبيًا في ظل تعقيدات التصنيع العسكري والضغوط التي تواجه سلاسل التوريد الأوروبية. ومع ذلك، ترى وزارة الدفاع أن الالتزام بهذا الموعد ضروري لمواكبة التغير السريع في طبيعة التهديدات، خاصة مع تزايد استخدام المسيّرات في سيناريوهات هجومية غير متماثلة، ما يجعل عامل الوقت عنصرًا حاسمًا في تعزيز الجاهزية الدفاعية.
دور «راينميتال» وتوطين الصناعة العسكرية
بحسب بنود الاتفاق، ستتولى شركة راينميتال في سويسرا تصنيع النماذج الأولية الثلاثة الأولى من نظام «سكاي رينجر»، قبل أن تنتقل مراحل الإنتاج والتجميع اللاحقة إلى شركة راينميتال في هولندا. ويعكس هذا الترتيب توجهًا مزدوجًا يجمع بين الاستفادة من الخبرة التقنية المتقدمة للشركة الأم، وتعزيز مشاركة الصناعة الدفاعية الوطنية. كما ينسجم مع السياسات الأوروبية الرامية إلى توطين الصناعات العسكرية وتقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين في القطاعات الحساسة. وتعوّل الحكومة الهولندية على أن يسهم المشروع في نقل المعرفة والخبرات التقنية، ودعم سلاسل الإمداد المحلية، وخلق فرص عمل في قطاع الصناعات الدفاعية. وبذلك، لا يقتصر أثر الصفقة على البعد العسكري فحسب، بل يمتد ليشمل أبعادًا اقتصادية وصناعية، تعزز من موقع هولندا داخل المنظومة الدفاعية الأوروبية الأوسع.
قدرات تقنية لمواجهة تهديدات غير تقليدية
يتميز نظام «سكاي رينجر» بقدرته على التعامل مع طائرات مسيّرة يصل وزنها إلى نحو 600 كيلوغرام، وعلى مسافات تصل إلى خمسة كيلومترات، مستخدمًا ذخائر عيار 30 ملم عالية الدقة. وتجعله هذه الخصائص عنصرًا مكملًا لشبكات الدفاع الجوي قصيرة ومتوسطة المدى، وليس بديلًا عنها. وقد صُمم النظام ليعمل ضمن منظومة متكاملة تشمل الرصد والتتبع والاشتباك، ما يتيح التعامل مع أهداف منخفضة الارتفاع أو أسراب من المسيّرات في وقت واحد. وفي ظل التطور السريع لتكتيكات استخدام الطائرات بدون طيار، خاصة في الهجمات المركبة، تراهن هولندا على أن يوفر «سكاي رينجر» مرونة تشغيلية وقدرة استجابة سريعة، تقلل من فرص الاختراق الجوي، وتعزز من فعالية منظومة الدفاع الشاملة في مواجهة تهديدات متغيرة ومعقدة.
حماية المنشآت الحيوية وتعزيز الردع
من المتوقع أن تسهم أنظمة «سكاي رينجر» بشكل مباشر في حماية الوحدات الميدانية والمنشآت الاستراتيجية والبنى التحتية الحيوية داخل هولندا، وعلى رأسها ميناء روتردام، الذي يمثل شريانًا اقتصاديًا حيويًا ليس فقط للبلاد بل لأوروبا بأكملها. كما تشمل الحماية القواعد العسكرية والمنشآت الحساسة التي قد تشكل أهدافًا محتملة لهجمات باستخدام المسيّرات. ويعكس التركيز على هذه الأهداف إدراكًا بأن أي اختراق أمني قد تكون له تداعيات اقتصادية وسياسية واسعة. ومع دخول هذه الأنظمة الخدمة، تسعى لاهاي إلى تعزيز قدرتها على الردع، وإرسال رسالة واضحة بأن مجالها الجوي بات أكثر تحصينًا في مواجهة التهديدات الحديثة، ضمن رؤية دفاعية تجمع بين الحماية الوطنية والمساهمة في الأمن الأوروبي المشترك.



