الجارديان: سيناريوهات سقوط مادورو تكشف كلفة التغيير في فنزويلا

قبل عدة سنوات، أعدت مؤسسات أمريكية سلسلة من المحاكاة السياسية والعسكرية لدراسة ما قد يحدث في فنزويلا حال سقوط نظام الرئيس نيكولاس مادورو، سواء عبر انتفاضة شعبية واسعة، أو انقلاب عسكري من داخل القصر الرئاسي، أو تدخل خارجي مباشر. النتائج كانت قاتمة، إذ توقعت هذه السيناريوهات انهيار الدولة، وتصاعد الصراع المسلح، وفوضى ممتدة، ما يعكس حجم التحديات التي قد تواجه أي سلطة انتقالية محتملة. ومع تصاعد الضغوط الأمريكية والإقليمية على كاراكاس، تعود هذه المخاوف إلى الواجهة، ما يضع البلاد أمام تحدٍ مركب بين السياسة الداخلية والتوترات الإقليمية، وسط تساؤلات عن قدرة المعارضة والشعب على إدارة مرحلة ما بعد مادورو بدون سقوط في فوضى شاملة أو صراع دموي طويل الأمد.
مناورات أمريكية وسيناريوهات بلا نهاية سعيدة
المحاكاة التي أُجريت داخل دوائر صنع القرار الأمريكية قبل ست سنوات ركّزت على ثلاثة مسارات محتملة لسقوط مادورو: انتفاضة شعبية واسعة، انقلاب عسكري داخلي، أو ضربة مباشرة تستهدف القيادة العليا للنظام. في جميع السيناريوهات، توقعت التقديرات فشلًا سريعًا في احتواء التداعيات، مع انهيار أمني واسع، واندلاع مواجهات بين الجيش والسكان، أو صراعات دموية بين أجنحة النظام المنهار. كما أشارت المحاكاة إلى احتمال تحوّل البلاد إلى ساحة مقاومة مسلحة ضد أي تدخل أجنبي، ما يعكس الطبيعة المعقدة للنظام الفنزويلي وصعوبة التغيير السلس في بيئة سياسية مشحونة ومؤسسات ضعيفة تحت ضغط الأزمة الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة.


الجيش في قلب المعادلة والانفجار المحتمل
أحد أخطر استنتاجات المحاكاة الأمريكية كان الدور المتوقع للمؤسسة العسكرية، التي رُجح أن تتعامل بعنف شديد مع أي انتفاضة شعبية، خشية فقدان امتيازاتها أو التعرض للملاحقة القانونية. هذا السيناريو يعني سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المحتملين، وتحول الشوارع إلى ساحات قتال، مع احتمال دخول جماعات مسلحة إقليمية على الخط، لا سيما من كولومبيا المجاورة. وتعكس هذه التقديرات حجم التحديات الأمنية التي قد تواجه أي تغيير مفاجئ في السلطة، حيث يصبح التحكم في المؤسسة العسكرية مفتاحًا أساسيًا لتقليل العنف وضمان الاستقرار النسبي، وهو أمر شبه مستحيل وفقًا للتحليلات الأمريكية.
الانقلاب أو التدخل الخارجي… فراغ السلطة والفوضى
في حال حدوث انقلاب داخلي ضمن النظام، توقعت التقديرات أن تواجه فنزويلا فراغًا سياسيًا حادًا، تتنافس فيه أطراف مسلحة متعددة على السلطة، دون قدرة أي طرف على فرض سيطرته بشكل كامل. أما التدخل الخارجي المباشر، فرغم إمكانية السيطرة السريعة على المدن والموانئ الكبرى، فإنه قد يفتح جبهات حرب طويلة الأمد في الأقاليم الغنية بالموارد، مع هجمات غير نظامية تستهدف البنية التحتية الحيوية، خصوصًا قطاع النفط. هذه الاحتمالات تبرز مدى الكلفة العالية لأي تدخل أجنبي، وتوضح أن السيطرة الميدانية السريعة لا تعني بالضرورة تحقيق استقرار طويل الأمد، بل قد تتحول إلى حرب بالوكالة معقدة ومتعددة الأطراف.
نزوح جماعي وارتدادات إقليمية خطيرة
جميع السيناريوهات توقعت موجات نزوح جماعية عبر الحدود مع كولومبيا والبرازيل، مع تفاقم الأزمة الإنسانية في بلد يعاني أصلاً من انهيار اقتصادي واجتماعي مستمر. هذا النزوح يشكل عبئًا إقليميًا هائلًا، وقد يعيد رسم خريطة عدم الاستقرار في شمال أميركا الجنوبية، ويحوّل المنطقة إلى بؤرة صراع مزمن بين الفصائل المحلية والمرتزقة وحتى الدول المجاورة. كما أن الأزمة الإنسانية المتفاقمة قد تزيد من الضغوط على الحكومات الإقليمية، وتستدعي تدخل المنظمات الدولية لتقديم مساعدات عاجلة، وهو ما يضيف طبقة إضافية من التعقيد في إدارة الأزمة.
المعارضة ترفض «سيناريو سوريا»
في المقابل، يرفض قادة المعارضة الفنزويلية القراءة المتشائمة للمستقبل، مؤكدين أن المجتمع الفنزويلي يمتلك تقاليد ديمقراطية راسخة وأن سقوط مادورو لا يعني بالضرورة الانزلاق إلى حرب أهلية. شدد مسؤولون بارزون في المعارضة على إمكانية حدوث التغيير بأقل قدر من العنف، مؤكدين أن الشعب سبق وأن عبّر عن إرادته السياسية في مناسبات مختلفة. وهم يحذرون من المبالغة في المقارنات مع سوريا أو ليبيا، معتبرين أن خصوصية فنزويلا السياسية والاجتماعية تمنح فرصة لتحقيق انتقال سلس نسبيًا، بشرط احترام المؤسسات وتهدئة الجيش وتحشيد الدعم الشعبي للحلول السلمية.

هواجس دولية وخيارات شديدة الكلفة
رغم ذلك، يحذر خبراء ودبلوماسيون في أميركا اللاتينية من أن أي تغيير مفاجئ قد يطلق سلسلة أحداث غير قابلة للسيطرة، ويؤدي إلى صراعات بالوكالة وتدخلات غير مباشرة. بعض التقديرات ذهبت إلى أن السيناريوهات الأسوأ قد تشمل الاستعانة بمرتزقة أو شركات عسكرية خاصة، ما يهدد بتحويل فنزويلا إلى نموذج شبيه بالعراق، حيث تتداخل الجماعات المسلحة دون سلطة مركزية قادرة على الضبط. هذه التحذيرات تؤكد أن أي خطوات للإطاحة بالنظام يجب أن تكون محسوبة بعناية فائقة، مع استراتيجية واضحة لإدارة الفوضى المحتملة وحماية المدنيين والبنية التحتية الحيوية، وإلا فإن البلاد ستواجه مرحلة غير مستقرة لفترة طويلة.




