واشنطن توسّع نظام المناطيد الرادارية لمراقبة الكاريبي وسط توترات إقليمية متصاعدة
كشفت تقارير دفاعية أن الولايات المتحدة بدأت في توسيع نطاق تشغيل نظام المناطيد الرادارية المربوطة (TARS) في منطقة لاخاس بجنوب بورتو ريكو، في خطوة تهدف إلى تعزيز المراقبة الجوية والبحرية عبر البحر الكاريبي. وتأتي هذه الخطوة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية مع فنزويلا وتزايد النشاطات غير المشروعة في الممرات البحرية الحيوية. ويُعدّ النظام، الذي يعتمد على تكنولوجيا متقدمة من شركة “لوكهيد مارتن”، جزءًا من استراتيجية أميركية جديدة تسعى إلى تحقيق مراقبة دائمة ومنخفضة التكلفة للحدود والمناطق الساحلية. ومع ربط مناطيد المراقبة مباشرة بمركز عمليات الجو والبحر الكاريبي (CAMOC)، أصبحت واشنطن تمتلك وسيلة فعالة لمتابعة التحركات في الوقت الفعلي وتعزيز قدرتها على الرد السريع.
مراقبة مستمرة بتكلفة منخفضة
يعمل المنطاد الأميركي الجديد برادار Lockheed Martin L-88 المتطور، المصمم لرصد الطائرات المنخفضة الارتفاع والسفن الصغيرة عبر نطاقات واسعة من البحر الكاريبي. ويُحلّق هذا المنطاد عادة على ارتفاع يتراوح بين عشرة وخمسة عشر ألف قدم، ما يمنحه قدرة على تغطية مئات الكيلومترات في الأفق الجوي. وتكمن ميزته في قدرته على البقاء محلّقًا لساعات طويلة دون الحاجة إلى إعادة التزوّد بالوقود أو الصيانة المكثفة، مما يجعله خيارًا اقتصاديًا مقارنة بالطائرات الدورية التقليدية. وتستخدمه واشنطن لرصد أنشطة التهريب وعمليات الطيران غير المصرح بها، في إطار خطة شاملة لخفض التكلفة مع الحفاظ على الكفاءة العملياتية والاستمرارية في المراقبة.
من مكافحة التهريب إلى الردع الإقليمي
كان نظام TARS في بداياته مخصصًا لحماية الحدود الجنوبية للولايات المتحدة من شبكات التهريب وتجارة المخدرات، لكنه تحول تدريجيًا إلى عنصر رئيسي في منظومة الأمن الإقليمي. ومع ازدياد القلق الأميركي من تحركات فنزويلا الجوية والبحرية، باتت بورتو ريكو موقعًا متقدمًا للمراقبة والإنذار المبكر في الكاريبي. وفي الأشهر الأخيرة، رُصدت زيادة في وتيرة تشغيل المنطاد مع تحذيرات متكررة من القيادة الجنوبية الأميركية من احتمال قيام كاراكاس بعمليات عسكرية أو استطلاعية بطائرات مسيّرة قرب الأصول الأميركية. ويعكس ذلك تطور دور النظام من مراقبة تهريب المخدرات إلى أداة استخباراتية وردعية في مواجهة التهديدات الإقليمية المستجدة.
شبكة مراقبة متعددة المهام
تتكامل البيانات التي يجمعها المنطاد ضمن شبكة مراقبة واسعة تشمل وزارتي الدفاع والأمن الداخلي في الولايات المتحدة، ما يسمح بمشاركة فورية للمعلومات بين مختلف الأجهزة العسكرية والأمنية. وتُستخدم هذه البيانات لدعم عمليات الاعتراض البحري وتحسين دقة أنظمة الإنذار المبكر ضد الطائرات المسيّرة ذات البصمة الرادارية المنخفضة. كما تُسهم في مراقبة تحركات السفن التجارية والمراكب الصغيرة التي قد تُستغل في تهريب الأسلحة أو المخدرات. ويُعد هذا التكامل مثالًا على التطور التقني في العمل الاستخباراتي الأميركي، إذ يجمع بين المراقبة الجوية والبحرية والاتصالات الفضائية في منظومة موحدة توفر تغطية شاملة ومستمرة لمسرح العمليات في الكاريبي.
نحو تغطية دائمة للمنطقة
إن تكثيف نشاط المناطيد الرادارية فوق البحر الكاريبي يبرز التحول الاستراتيجي الذي تشهده سياسة المراقبة الأميركية في العقد الأخير. فبدل الاعتماد الحصري على الطائرات والسفن، تسعى واشنطن إلى بناء شبكة مراقبة دائمة منخفضة التكلفة تعتمد على التكنولوجيا الثابتة طويلة المدى. ويُتوقع أن تمتد هذه الأنظمة مستقبلًا إلى مواقع أخرى في المحيط الأطلسي وغرب الكاريبي، ما يعزز قدرة الولايات المتحدة على رصد التهديدات غير التقليدية مثل الطائرات المسيّرة أو الأنشطة الاستخباراتية لدول منافسة. وبذلك، تتحول المناطيد من أدوات مراقبة حدودية إلى مكوّن أساسي في منظومة الأمن القومي الأميركي ذات الطابع الإقليمي المتكامل.
نحو سباق استخباراتي جديد في الكاريبي
تكشف التطورات الأخيرة أن انتشار المناطيد الأميركية فوق البحر الكاريبي لم يعد مجرد إجراء دفاعي، بل مؤشر على مرحلة جديدة من التنافس الاستخباراتي في المنطقة. فبينما تسعى واشنطن لتعزيز سيطرتها الرادارية على الممرات الجوية والبحرية، تنظر قوى إقليمية مثل فنزويلا وكوبا إلى هذه التحركات باعتبارها توسيعًا لمدى النفوذ الأميركي. ومع ازدياد أهمية الكاريبي كحلقة وصل بين أميركا اللاتينية والمحيط الأطلسي، يبدو أن الولايات المتحدة تمهّد لبناء منظومة مراقبة شاملة تدمج القدرات الفضائية والجوية في آن واحد، لتظلّ على دراية بكل ما يدور في محيطها الاستراتيجي الحيوي.



