خارطة النفوذ السوري الجديد: تحالف “الضرورة” بين طهران والعمال الكردستاني
رغم الزلزال السياسي الذي أطاح بنظام الأسد في أواخر عام 2024، وما تبعه من انكسار لمشروع “الهلال الشيعي” التقليدي، إلا أن طهران أظهرت مرونة في التكيف مع الواقع الجديد. فقد انتقلت من مرحلة “الدعم المباشر للنظام” إلى استراتيجية “النفوذ الظلي”، معتمدةً بشكل أساسي على تعميق شراكتها مع حزب العمال الكردستاني (PKK) لضمان بقائها كلاعب فاعل في الجغرافيا السورية.
هجرة الكوادر: من جبال قنديل إلى الداخل السوري
لم يعد الشمال الشرقي السوري مجرد منطقة نفوذ محلي، بل تحول إلى مستقر لخبراء وكوادر حزب العمال الكردستاني. فبعد “مسار التسوية” في فبراير الماضي وإعلان عبد الله أوجلان التحول عن العمل المسلح، شهدت المنطقة تدفقاً لمئات القيادات القادمة من شمال العراق. هذا الانتقال لم يكن عشوائياً، بل جاء كإعادة تموضع استراتيجي برعاية إيرانية لتوفير ملاذات آمنة لهذه الكوادر بعيداً عن الضغوط التركية والعراقية.
إرث التنسيق: محور (باييك – طهران)
هذا التحالف ليس وليد اللحظة الراهنة، بل يستند إلى ركائز تاريخية صلبة:
هندسة قنديل: قاد “جميل باييك” لسنوات تفاهمات معقدة مع طهران لضمان تلاقي المصالح.
مظلة الحشد الشعبي: منذ عام 2014، وفّرت طهران غطاءً رسمياً لتشكيلات تابعة للعمال الكردستاني عبر دمجها في هيكلية “الحشد الشعبي”، مما مهد الطريق لتعاون عسكري وسياسي عابر للحدود تحت شعار مكافحة الإرهاب.
الجغرافيا البديلة: من جبهات حلب إلى شرق الفرات
قبل الانهيار الكبير للنظام، كان التنسيق الميداني يتركز في مناطق التماس شمال حلب، حيث شكلت “وحدات حماية الشعب” والفرقة الرابعة والميليشيات الموالية لإيران جبهة واحدة ضد الطموحات التركية.
الانسحاب التكتيكي: بعد سقوط “تل رفعت” والمناطق المحيطة بها، انتقل ثقل هذا التحالف نحو شرق الفرات.
الهدف الجديد: تسعى إيران اليوم لاستخدام مناطق نفوذ الوحدات الكردية كبوابة أخيرة للحفاظ على موطئ قدم استراتيجي، يضمن لها البقاء قريبة من منابع الطاقة وخطوط الإمداد الحيوية.
الكتلة الحرجة: مواجهة المتغيرات الإقليمية
يتبلور الآن في الأفق تحالف ثلاثي يجمع (طهران، حزب العمال الكردستاني، والاتحاد الوطني الكردستاني). يهدف هذا التكتل إلى خلق “كتلة حرجة” قادرة على:
موازنة النفوذ التركي المتصاعد في سوريا ما بعد الأسد.
خلق أوراق ضغط في ملفات الغاز والنفط والحدود.
عرقلة أي ترتيبات إقليمية تسعى لتهميش الدور الإيراني في المعادلة السورية الجديدة.



