بين تشدد بوتين ودعم أوروبا… لماذا تتجه حرب أوكرانيا إلى الاستمرار؟

تشير التطورات السياسية والعسكرية الأخيرة إلى أن الحرب في أوكرانيا مرشحة لمواصلة مسارها الدموي خلال العام المقبل، في ظل عاملين متوازيين: تمسّك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأهدافه القصوى، واستمرار الاتحاد الأوروبي في توفير الدعم المالي الذي يمنع انهيار الدولة الأوكرانية.
بوتين يتمسك بالأهداف الإقليمية
خلال مؤتمره الصحافي السنوي في 19 ديسمبر، لم يقدّم بوتين أي إشارة إلى استعداد موسكو للتخلي عن الأهداف التي أعلنتها منذ بدء الحرب في فبراير 2022، والمتمثلة في السيطرة على أقاليم دونيتسك ولوغانسك وزابوريجيا وخيرسون. وأظهر الرئيس الروسي لامبالاة واضحة بحقيقة أن جيشه لم ينجح، بعد نحو أربع سنوات من القتال، إلا في إحكام السيطرة الكاملة على إقليم لوغانسك فقط، رغم الكلفة البشرية والعسكرية الكبيرة.
هذا الموقف يعكس سياسة روسية ثابتة، كرّستها تشريعات أقرها البرلمان الروسي لضم هذه المناطق، وأعاد كبار المسؤولين في موسكو التأكيد عليها مؤخرًا، ما يجعل أي تسوية لا تعترف بهذه المطالب غير مقبولة بالنسبة للكرملين.
جهود أميركية تصطدم بالتعنت الروسي
في المقابل، تتعارض هذه الصلابة مع مساعي الرئيس الأميركي دونالد ترامب للتوصل إلى تسوية سياسية سريعة، كان يأمل إنجازها قبل نهاية العام. وقد حاول الضغط على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي للتنازل عن أجزاء من دونيتسك لا تزال تحت سيطرة كييف. ورغم رفض هذا الطرح، أبدى زيلينسكي مرونة لافتة، تمثلت في استعداده للتخلي عن السعي للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي وقبول الحياد، مقابل ضمانات أمنية غربية واضحة.
إلا أن هذه التنازلات لم تغيّر موقف بوتين، الذي يستند في حربه إلى رؤية تاريخية يعتبر فيها أن روسيا “سُلبت” أراضيها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وأن أوكرانيا، ولا سيما جنوبها وشرقها، جزء من المجال الروسي الطبيعي.
مغازلة موسكو لترامب
يسعى بوتين إلى استثمار مواقف ترامب المتعاطفة نسبيًا مع روسيا، لا سيما انتقاداته لأوروبا ورغبته في تحسين العلاقات مع موسكو، على أمل تعميق الانقسام بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، ودفع واشنطن إلى ممارسة مزيد من الضغوط على كييف للقبول بشروط تسوية أقرب للرؤية الروسية.
لكن، وعلى الرغم من الخسائر الكبيرة التي تكبدتها روسيا في الأرواح والمعدات، والضغوط المتزايدة على اقتصادها، لا يبدو أن هذه التكاليف كافية لتغيير حسابات الكرملين، طالما ظل بوتين يعتقد أن أهدافه لا تزال قابلة للتحقيق.
القرار الأوروبي: شريان حياة لكييف
في هذا السياق، اتخذ الاتحاد الأوروبي خطوة حاسمة عبر إقرار قرض بقيمة 90 مليار يورو لدعم أوكرانيا على مدى عامين، ما يؤمّن تمويلًا أساسيًا يمنع انهيار مؤسسات الدولة الأوكرانية. وجاء هذا القرار بعد فشل خطة سابقة لاستخدام عوائد الأصول الروسية المجمدة، بسبب الانقسامات داخل الاتحاد.
ورغم الخلافات، تمكنت دول الاتحاد الـ27 من التوصل إلى صيغة تضمن استمرار الدعم، في إشارة واضحة إلى استعداد أوروبا للتحرك بشكل مستقل في ملف الحرب، حتى وإن أدى ذلك إلى تباعد نسبي مع واشنطن.
دعم يطيل أمد الحرب
تكمن المفارقة في أن هذا الدعم، رغم ضرورته لبقاء أوكرانيا، يقلل في الوقت نفسه من فرص حسم الصراع سريعًا لصالح روسيا. فكما تساهم تصريحات بوتين المتصلبة في إطالة أمد الحرب، تساهم كذلك قرارات الاتحاد الأوروبي في ضمان استمرارها، من خلال تمكين كييف من مواصلة القتال.
خلاصة
منحت أوروبا أوكرانيا فرصة جديدة للصمود، لكنها لم تفتح باب السلام. وبين قائد روسي يرى في أي تنازل هزيمة، وأوكرانيا تقاتل بدعم خارجي للبقاء، يبدو أن الحرب ستستمر، على الأرجح، في العام المقبل، في غياب أي اختراق حقيقي في المواقف السياسية.



