عملية اختطاف مادورو كمسرحية استراتيجية للسيطرة على النفط وبث الرعب العالمي
في عالمٍ لم تعد فيه الحروب تُخاض بالدبابات وحدها، بل تُدار بالعقول، وتُنفَّذ بالمخابرات، وتُسوَّق بالإعلام، تبرز بعض الأحداث الكبرى لا بوصفها وقائع عسكرية تقليدية، بل باعتبارها عروضًا استراتيجية متعددة الطبقات. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة ما يُتداول عن ضرب العاصمة الفنزويلية كاراكاس واختطاف رئيسها نيكولاس مادورو ليس كعمل عدائي مباشر، بل كـ مسرحية جيوسياسية كبرى أُعدّت بعناية فائقة.
أولًا: الحدث كخداع استراتيجي كوني
ما يبدو ظاهريًا على أنه غطرسة أمريكية أو تدخل فجّ في سيادة دولة، قد يكون في العمق خداعًا استراتيجيًا عالميًا، جرى التوافق عليه في الكواليس المظلمة بين واشنطن وكاراكاس. الهدف لم يكن إسقاط النظام بالقوة، بل إعادة تدويره بطريقة تخدم موازين القوى الجديدة في سوق الطاقة والنظام الدولي.
هذه “المسرحية” صُممت لتحقيق غايتين مركزيتين:
-
إحكام السيطرة على سوق النفط العالمي.
-
بث رعب جيوسياسي مدروس يعيد ترتيب الولاءات الدولية.

ثانيًا: البعد الاستخباراتي – هندسة الخروج الآمن
في التحليل الاستخباراتي العميق، لا يظهر مادورو كـ“ضحية” بل كـ طرف في عقد سري. العملية – وفق هذا التصور – لم تكن اختطافًا بقدر ما كانت غطاءً محكمًا لخروج آمن من السلطة.
“المظلة الذهبية” (The Golden Parachute)
بدل أن يغادر مادورو المشهد كرئيس هارب أو ديكتاتور مخلوع يواجه المحاكمات الدولية، يُعاد تقديمه كرئيس “مخطوف”. هذه الصورة تمنحه ولعائلته حماية سياسية وأمنية وملاذًا آمنًا – ربما في دولة ثالثة حليفة لواشنطن سرًا – مقابل تسليم مفاتيح قطاع النفط الفنزويلي.
استراتيجية التوتر وبث الرعب
العنف والعلنية هنا ليسا عبثيين. الهدف هو إحياء عقيدة الترهيب: رسالة بصرية قاسية مفادها أن اليد الطويلة قادرة على الوصول إلى أي زعيم، حتى من داخل غرفته. هذا الرعب المصطنع يدفع الدول إلى تقديم تنازلات استباقية في ملفات الطاقة والسياسة الخارجية، خوفًا من مصير مشابه.

ثالثًا: البعد الاقتصادي – هندسة سوق النفط
المحرك الحقيقي للمشهد هو النفط. ما جرى – أو ما يُراد له أن يبدو – ليس عملية عسكرية، بل هندسة مالية متنكرة في زي أمني.
صناعة الصدمة السعرية
مجرد انتشار خبر ضرب كاراكاس واختطاف الرئيس كفيل بإشعال الأسواق. هذه “القفزة الجنونية” في الأسعار ليست مصادفة، بل أداة لرفع قيمة المخزونات الأمريكية وتحقيق أرباح هائلة لشركات الطاقة العملاقة، مع إعادة تسعير الطاقة عالميًا وفق المصالح الأمريكية.
الاستيلاء على الكنز الفنزويلي
فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفط مؤكد في العالم. بإزاحة مادورو – المتفق عليها ضمن هذا السيناريو – تضع واشنطن يدها على هذا الكنز عبر شركاتها العابرة للقارات، وعلى رأسها شيفرون.
سيتم الطعن في العقود الموقعة مع الصين وروسيا بوصفها “غير شرعية”، وتحويل فنزويلا إلى محطة وقود حصرية للولايات المتحدة وحلفائها.
رابعًا: البعد السياسي والدبلوماسي – إعادة ترتيب الخريطة
العملية تُستخدم كأداة لإعادة تشكيل أمريكا اللاتينية، تحت لافتة “التحرير” وطرد النفوذ المنافس.
طرد الصين وروسيا
الفوضى المحكومة تسمح بإقصاء الاستثمارات الصينية والروسية بضربة واحدة، وفتح الطريق أمام حكومة انتقالية موالية لواشنطن، جرى إعدادها مسبقًا في غرف الاستخبارات.
ضرب توازن أوبك+
بإخراج فنزويلا من معادلة أوبك+ ووضعها تحت وصاية أمريكية مباشرة، يُكسر توازن القوى داخل المنظمة. عندها يمكن استخدام “فنزويلا الجديدة” كسلاح اقتصادي:
– لخفض الأسعار وإغراق الأسواق لتدمير اقتصادات الخصوم،
– أو لرفعها متى اقتضت المصلحة الأمريكية.
معادلة الصفر الجيوسياسي
ما حدث – أو ما يُراد للعالم أن يعتقد أنه حدث – ليس عملية عسكرية معزولة، بل انقلاب كوني على قواعد اللعبة. ويمكن تلخيصه في ثلاث حقائق كبرى:
-
هندسة الرعب: رسالة تقول إن الحصانة السيادية انتهت، وإن الوصول إلى قمة السلطة بات مسألة تقنية لا سياسية.
-
تأميم القرار الطاقي عالميًا: السيطرة على كاراكاس تعني السيطرة على صمام أمان النفط العالمي، والقدرة على خنق أو إنعاش أي اقتصاد بضغطة زر.
-
المكر المزدوج: “الاختطاف” ليس سوى غطاء لعملية تسليم وتسلم كبرى، جرى فيها بيع النظام من الداخل مقابل ضمانات سرية.
في المحصلة، نحن أمام إعلان غير رسمي عن أفول النظام الدولي متعدد الأقطاب، وبروز نموذج القطب الواحد المطلق، حيث تُدار الجغرافيا السياسية كاستثمار، وتُستخدم المخابرات كأداة تنفيذ، وتتحول الدول إلى مجرد أصول في محفظة القوة.
العالم اليوم لا يواجه قوة عسكرية فقط، بل يواجه عقلًا استراتيجيًا بارعًا حوّل الحرب إلى مسرحية، والنفط إلى سلاح، والرعب إلى عملة دولية جديدة.




