تصريحات الرئيس السيسي حول مخاطر التكنولوجيا على الأطفال… جرس إنذار لمواجهة الفوضى الرقمية
كتبت: سلمى سعيد
لم تكن تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي الأخيرة بشأن مخاطر التكنولوجيا على الأطفال مجرد ملاحظات عابرة، بل جاءت كرسالة تحذير واضحة من أزمة متنامية تهدد بنية المجتمع ومستقبل أجياله. تصريحات أعادت فتح ملف شائك يمس كل بيت مصري، ودقت ناقوس الخطر حول تداعيات الاستخدام غير المنضبط للتكنولوجيا، خاصة بين الأطفال والنشء.
اللافت أن هذه التصريحات أعقبها تحرك برلماني سريع، حيث بادر مجلس النواب إلى وضع قضية حماية الأطفال من الأخطار الرقمية على رأس أولوياته التشريعية، في خطوة تعكس وعيًا متزايدًا بخطورة الملف، ونهجًا جديدًا يعتمد على الحوار المجتمعي قبل سن القوانين.
هذا التفاعل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية يؤكد أن قضية الطفل لم تعد شأنًا ثانويًا، بل تمثل ركيزة أساسية في بناء مجتمع قادر على مواجهة تحديات العصر الرقمي، وعلى رأسها الإدمان الإلكتروني والفوضى المعلوماتية التي اجتاحت الفضاء الافتراضي.
الحقيقة أن التحول الرقمي كشف حجم التحديات التي نعيشها اليوم، وهو ما تناولته في مقالات سابقة، من بينها مقال بعنوان: «جيل التيك توك.. كيف نحمي أبناءنا قبل فوات الأوان؟»، حيث باتت المنصات الرقمية لاعبًا أساسيًا في تشكيل وعي وسلوك الأجيال الجديدة.
فمنصات التواصل الاجتماعي مثل «فيسبوك» و«تيك توك» لم تعد مجرد أدوات للتواصل، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحات مفتوحة للشائعات، والابتزاز، والتحريض، والمحتوى غير اللائق، في ظل غياب الضوابط وانتشار ما يمكن وصفه بـ«الفوضى الرقمية»، التي يختبئ خلفها البعض لنشر السلبية والكراهية دون رادع.
ولا يقل خطر الألعاب الإلكترونية عن ذلك، فرغم كونها وسيلة ترفيه مفضلة لدى الأطفال، فإن الإفراط في استخدامها قد يؤدي إلى الإدمان، وإهدار الوقت، وتراجع التحصيل الدراسي، إلى جانب تأثيرات سلبية على الصحة النفسية والجسدية، مثل ضعف التركيز، واضطرابات النوم، ومشكلات النظر، فضلًا عن احتواء بعض الألعاب على مشاهد عنف أو محتوى غير مناسب يؤثر في السلوك العام للطفل.
كما فرض البلوجرز والفلوچرز أنفسهم بقوة على المشهد الإعلامي والاجتماعي، لكن هذا الحضور لم يكن دائمًا إيجابيًا، إذ تحوّل جزء كبير من المحتوى إلى سعي محموم وراء الشهرة السريعة، على حساب القيم الأخلاقية والذوق العام، مع الترويج لسلوكيات غير مناسبة، أو تقديم معلومات سطحية ومضللة لجذب المشاهدات.
كل هذه العوامل تمثل خطرًا حقيقيًا، خاصة على الأطفال والشباب الذين يميلون إلى التقليد الأعمى، ما يفرض ضرورة ملحة لنشر الوعي بأهمية اختيار المحتوى، وتعزيز القيم الثقافية والأخلاقية في التعامل مع التكنولوجيا، إلى جانب دور الأسرة في مراقبة مدة ونوعية استخدام الأطفال للألعاب والمنصات الرقمية، وتشجيعهم على التوازن بين العالم الافتراضي والأنشطة الواقعية.
ومن هنا تأتي أهمية المبادرة التي طرحها الرئيس السيسي، وحرص مجلس النواب على فتح حوار مجتمعي موسع يضم اللجان المختصة، والوزارات المعنية، والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، والمجلس القومي للأمومة والطفولة، إضافة إلى الخبراء والمؤسسات المدنية، بهدف الوصول إلى تشريع متوازن وفعّال.
فالحوار المجتمعي يمنح أي تشريع شرعية معرفية وأخلاقية، لأن مواجهة الإدمان الرقمي لا تتحقق بالقوانين وحدها، بل بمشاركة المجتمع في صياغة أدوات الحماية، والنظر إلى الأطفال باعتبارهم فاعلين يحتاجون إلى التوجيه لا القمع.
الهدف الحقيقي ليس منع الأطفال من التكنولوجيا، بل إعادة تنظيم العلاقة معها، لتكون وسيلة لبناء الوعي لا هدمه. فالبيت يظل المدرسة الأولى، والأسرة هي خط الدفاع الأساسي، من خلال القدوة الحسنة، وتحديد أوقات الاستخدام، وفتح حوار صادق مع الأبناء حول المخاطر.
وفي الوقت نفسه، لا يجب أن تُترك الأسرة وحدها في هذا التحدي، بل لا بد من دور مجتمعي أوسع يشمل حملات توعوية في المدارس والجامعات، ودعم المبادرات الثقافية، وإدراج برامج تعليمية للتعامل الآمن مع التكنولوجيا، إلى جانب الضغط على المنصات الرقمية للحد من المحتوى الضار، مع تحقيق توازن عادل بين حرية التعبير
والقيم المجتمعية.
في النهاية، الخطر لا يكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في طريقة استخدامها. فبالتربية الواعية، والحوار المستمر، والرقابة المسؤولة من الأسرة والدولة، يمكن أن نمنح أبناءنا مستقبلًا آمنًا، ونُعد جيلًا واعيًا قادرًا على مواجهة تحديات العصر الرقمي بثقة ومسؤولية.
فالتكنولوجيا أداة، أما القيم والمعرفة فهما الحصن الحقيقي الذي يحمي أطفالنا، ويصنع منهم بناة لمستقبل أفضل.



