فايننشال تايمز: الذهب يسجل قمة تاريخية والدولار يتراجع وسط مخاوف على استقلالية الاحتياطي الفيدرالي
سجّلت الأسواق العالمية تحركات لافتة مع بداية الأسبوع، بعدما قفزت أسعار الذهب إلى مستويات غير مسبوقة، في وقت تعرض فيه الدولار الأمريكي والأسهم في وول ستريت لضغوط واضحة، على خلفية تصاعد المخاوف بشأن استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي. وجاء هذا الاضطراب بعد إعلان فتح تحقيق جنائي بحق رئيس البنك المركزي الأمريكي جيروم باول، ما أثار تساؤلات عميقة حول مستقبل السياسة النقدية في الولايات المتحدة، وحدود تدخل السلطة التنفيذية في عمل المؤسسات المالية المستقلة. وبينما اندفع المستثمرون نحو الذهب والفضة بوصفهما ملاذين آمنين، عكست تحركات الأسواق قلقًا أوسع من احتمالات خفض أسعار الفائدة تحت ضغط سياسي، وما قد يترتب على ذلك من ارتفاع معدلات التضخم وتآكل قيمة الأصول المقومة بالدولار، في لحظة يشهد فيها العالم توترات جيوسياسية غير مسبوقة.
قفزة الذهب: الملاذ الآمن يعود إلى الواجهة
ارتفعت أسعار الذهب إلى مستوى قياسي متجاوزة حاجز 4,600 دولار للأوقية، مسجلة أكبر قفزة يومية لها منذ أسابيع، في مؤشر واضح على تحوّل شهية المستثمرين نحو الأصول الآمنة. ولم يقتصر الارتفاع على الذهب وحده، إذ قفزت أسعار الفضة بدورها إلى مستويات تاريخية، مع تزايد الرهانات على استمرار الضغوط السياسية والاقتصادية. ويرى محللون أن هذه التحركات تعكس قناعة متنامية بأن المرحلة المقبلة قد تشهد تراجعًا في مصداقية السياسة النقدية الأمريكية، ما يعزز الطلب على المعادن النفيسة بوصفها مخزنًا للقيمة في أوقات عدم اليقين.
الدولار تحت الضغط والأسهم تتراجع
تزامن صعود الذهب مع تراجع الدولار الأمريكي أمام سلة من العملات الرئيسية، في حين سجلت مؤشرات وول ستريت خسائر ملحوظة في مستهل التداولات. ويشير مراقبون إلى أن هذه التحركات تعكس مخاوف المستثمرين من أن تؤدي الضغوط السياسية على الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات أقل مما تقتضيه الظروف الاقتصادية، ما قد يضعف العملة الأمريكية على المدى المتوسط. كما ارتفعت عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل، في إشارة إلى تنامي القلق بشأن التضخم واستدامة السياسة المالية الأمريكية.
تحقيقات تطال رئيس الفيدرالي وتفتح باب القلق
جاءت صدمة الأسواق بعد إعلان وزارة العدل الأمريكية فتح تحقيق جنائي يتعلق بشهادة جيروم باول أمام الكونغرس بشأن مشروع تجديد مقر الاحتياطي الفيدرالي، وهو ما اعتبره كثيرون تطورًا غير مسبوق في العلاقة بين البيت الأبيض والبنك المركزي. ورغم تأكيد باول التزامه الكامل بالقانون واستقلالية المؤسسة، إلا أن مجرد فتح التحقيق كان كافيًا لإشعال المخاوف من سابقة قد تهدد أحد أعمدة النظام المالي الأمريكي.
سياسة نقدية بين الاستقلال والضغط السياسي
يرى مستثمرون أن ما يجري يعيد إلى الأذهان فترات سابقة من الضغوط السياسية على الاحتياطي الفيدرالي، والتي غالبًا ما اقترنت بضعف الدولار وارتفاع توقعات التضخم. ويشير خبراء إلى أن الأسواق بدأت تتعامل مع سيناريو تُفرض فيه قرارات نقدية أقل تشددًا، ما يدفع المستثمرين إلى إعادة تسعير المخاطر، خصوصًا في السندات طويلة الأجل. ومع اتساع الفجوة بين عوائد السندات القصيرة والطويلة الأجل، تتزايد المخاوف من اضطرابات أعمق في أسواق الدين العالمية.
الجيوسياسة و”تجارة تآكل القيمة”
يتقاطع هذا المشهد المالي المضطرب مع تصاعد التوترات الجيوسياسية، من الشرق الأوسط إلى أوروبا الشرقية، ما يعزز ما يسميه بعض المحللين بـ”تجارة تآكل القيمة”، حيث يسعى المستثمرون إلى التحوط من فقدان القوة الشرائية للأصول النقدية. وفي هذا السياق، يُنظر إلى الذهب باعتباره الأصل الجيوسياسي بامتياز، القادر على الصمود في مواجهة الصدمات السياسية والاقتصادية، في وقت تتزايد فيه الشكوك حول مستقبل الاستقرار النقدي العالمي.



