تقرير الجارديان البريطانية: جرينلاند واختبار مصداقية أوروبا في مواجهة سياسة القوة
في عالم يتغير بسرعة وتتصاعد فيه منطق القوة على حساب القانون الدولي، تجد أوروبا نفسها أمام اختبار حاسم لمكانتها ومصداقيتها. ما بين تحركات دونالد ترامب التدخلية، من فنزويلا إلى التلويح بالسيطرة على جرينلاند، تتكشف ملامح نظام دولي أكثر قسوة وأقل التزامًا بالقواعد. هذا التحول لا يهدد فقط استقرار مناطق بعيدة جغرافيًا عن القارة الأوروبية، بل يمس جوهر الأمن الأوروبي نفسه. فالتعامل الأمريكي الجديد، القائم على منطق الصفقات وشرعنة الإكراه، يضع الاتحاد الأوروبي أمام خيار صعب: إما الاكتفاء بردود فعل حذرة ومبهمة، أو الانتقال إلى دور أكثر نضجًا ومسؤولية في حماية النظام الدولي. هذا التقرير، المستلهم من طرح الجارديان البريطانية، يحلل أبعاد هذا التحدي ويعرض أبرز المسارات التي يمكن لأوروبا اتباعها في مواجهة سياسة “القوي يأكل الضعيف”.
سياسة ترامب وتحول النظام الدولي
تعكس سياسات دونالد ترامب الخارجية تحولًا جذريًا في طريقة تعامل الولايات المتحدة مع العالم. لم تعد القواعد الدولية أو التحالفات التاريخية تشكل قيودًا حقيقية على القرار الأمريكي، بل أصبحت أدوات تُستخدم حين تخدم المصلحة المباشرة ويتم تجاهلها حين تعيقها. التدخل في فنزويلا وإعادة طرح فكرة الاستحواذ على جرينلاند بالقوة المحتملة يبرزان رؤية تعتبر السيادة مفهومًا نسبيًا. هذا النهج لا يخلق صدمات عابرة، بل يؤسس لسابقة خطيرة تشجع قوى أخرى على تبني السلوك ذاته. بالنسبة لأوروبا، فإن الصمت أو التردد في مواجهة هذا التحول يعني القبول الضمني بنظام دولي أقل استقرارًا وأكثر عدوانية.
تآكل مبدأ السيادة وتداعياته الأوروبية
حين تُنتهك سيادة الدول دون رد حاسم، يصبح مبدأ السيادة نفسه موضع شك. ما تقوم به واشنطن يبعث برسالة مفادها أن القوى الكبرى تملك الحق في إعادة ترتيب محيطها الجغرافي والسياسي متى شاءت. هذا المنطق يضعف الموقف الأوروبي الداعم لأوكرانيا، إذ يمنح روسيا مبررات إضافية لتوسيع نفوذها بالقوة. أوروبا، التي قامت وحدتها على احترام الحدود والقانون الدولي، تجد نفسها مهددة في أساس مشروعها السياسي. إن تجاهل هذه الانتهاكات لا يحمي المصالح الأوروبية، بل يفتح الباب أمام مزيد من الاختبارات لصلابة الموقف الأوروبي في محيطه القريب.
الأمن الأوروبي بين الردع والاعتماد
تعتمد أوروبا منذ عقود على المظلة الأمنية الأمريكية، لكن التطورات الأخيرة تفرض إعادة تقييم هذا الاعتماد. الردع لم يعد مسألة إنفاق عسكري فقط، بل قدرة شاملة على الصمود أمام الضغوط السياسية والاقتصادية. يمتلك الاتحاد الأوروبي موارد صناعية وعسكرية كبيرة، إلا أن تشتتها وضعف التنسيق بينها يقللان من فعاليتها. دعم أوكرانيا مثال واضح على هذا التحدي؛ فهو ليس مجرد تضامن سياسي، بل استثمار مباشر في أمن أوروبا. إعادة توجيه القدرات القائمة نحو تعزيز الردع والمرونة باتت ضرورة لا خيارًا في ظل عالم أقل قابلية للتنبؤ.
جرينلاند والقطب الشمالي كساحة صراع جديدة
إعادة طرح فكرة السيطرة على جرينلاند تكشف أهمية القطب الشمالي في الحسابات الجيوسياسية الجديدة. المنطقة لم تعد هامشية، بل أصبحت محور تنافس بين القوى الكبرى بسبب مواردها وموقعها الاستراتيجي. أي تحرك أمريكي أحادي في هذا السياق قد يشجع روسيا على اختبار الموقف الأوروبي في مناطق أخرى مثل أرخبيل سفالبارد. بالنسبة لأوروبا، فإن ضعف الرد سيُقرأ كإشارة على غياب الإرادة السياسية للدفاع عن مصالحها. القطب الشمالي قد يتحول إلى مختبر حقيقي لقدرة أوروبا على حماية أمنها وحدودها غير التقليدية.
وحدة أوروبا وحدود الإجماع
تُعد الوحدة الأوروبية عنصر قوة أساسي، لكنها قد تتحول إلى عبء حين تُستخدم ذريعة لتعطيل القرار. بعض الدول الأعضاء، بدوافع سياسية داخلية، تعرقل مواقف جماعية أكثر صرامة. استمرار هذا الوضع يضعف مصداقية الاتحاد كفاعل دولي. من هنا تبرز فكرة أن التضامن يجب أن يكون متبادلًا، وأن من يعرقل العمل المشترك لا يمكنه الاستفادة الكاملة من مزاياه. في الوقت نفسه، تحتاج أوروبا إلى توسيع شبكة شراكاتها مع دول تشاركها المصالح، حتى وإن اختلفت معها أيديولوجيًا، للحفاظ على حد أدنى من الاستقرار الدولي.
أدوات الضغط الأوروبية وتأثيرها المحتمل
لا تفتقر أوروبا إلى أدوات الضغط، بل إلى الجرأة في استخدامها. التجارة، الوصول إلى الأسواق، التعاون الصناعي والتنظيمي كلها أوراق يمكن أن تُحدث أثرًا ملموسًا داخل الولايات المتحدة نفسها، خصوصًا لدى القواعد الانتخابية المؤثرة. الردع الفعال لا يعني السعي إلى المواجهة، بل إرسال رسالة واضحة بأن الأفعال العدوانية لها ثمن حقيقي. إذا فشلت أوروبا في استغلال هذه الأدوات، فإنها تخاطر بالانزلاق إلى دور المتفرج في نظام عالمي يعاد تشكيله بالقوة. تحمل المسؤولية اليوم أصبح شرطًا أساسيًا لتجنب مخاطر أكبر غدًا.



