الجارديان البريطانية تحذّر: الهلع من جرينلاند قد يشعل أزمة عالمية… وترامب هو المستفيد الأول
تتناول الجارديان البريطانية أزمة جرينلاند بوصفها مثالاً صارخاً على كيف يمكن للذعر السياسي أن يتحول إلى أداة في يد الزعماء الشعبويين. فبدلاً من التعامل مع تصريحات دونالد ترامب بعقل بارد وحسابات استراتيجية، اندفعت عواصم أوروبية إلى ردود فعل عسكرية وإعلامية رفعت منسوب التوتر وأعادت إنتاج مناخ الخوف. ترى الجارديان أن هذه المقاربة لا تحمي الاستقرار الدولي، بل تمنح ترامب ما يريده تماماً: صورة عالم مضطرب يبرر فيه أي تصعيد باسم “الأمن القومي”. الأزمة، في جوهرها، ليست صراعاً على جزيرة بقدر ما هي اختبار لقدرة الغرب على ضبط النفس، واحترام القانون الدولي، وإعطاء الدبلوماسية الوقت الكافي لتفريغ التوتر بدلاً من تضخيمه.
غرينلاند في خطاب ترامب: سياسة الاندفاع لا الاستراتيجية
تصف الجارديان تصريحات ترامب حول غرينلاند بأنها امتداد لأسلوب سياسي يقوم على الإثارة لا على التخطيط. فالرئيس الأميركي يلوّح بتهديدات روسية وصينية غير مثبتة، ويطرح فكرة السيطرة على الجزيرة وكأنها صفقة عقارية. هذا الخطاب يتجاهل حقيقة أن الدنمارك حليف تاريخي للولايات المتحدة، وأن غرينلاند تخضع لترتيبات دفاعية واضحة ضمن الناتو. المشكلة ليست فقط في الطرح، بل في غياب أي تفسير منطقي من الإدارة الأميركية يوضح المصلحة الحقيقية وراء هذه الرغبة. ما يظهر، وفق تحليل الجارديان، هو نزعة للاستحواذ السريع وتغذية الرأي العام الأميركي بسردية الخطر الخارجي.
العسكرة الأوروبية: خطوة تزيد النار اشتعالاً
ترى الجارديان أن إرسال قوات أوروبية إلى غرينلاند، ولو بشكل رمزي، يمثل خطأً سياسياً أكثر منه ضرورة أمنية. فهذه التحركات تعطي انطباعاً بأن أوروبا تنجرف وراء خطاب التهديد، بدلاً من كبحه. وجود قوات من دول عدة على جزيرة نائية لا يضيف أمناً حقيقياً، بل يرفع مستوى القلق ويحوّل الأزمة إلى مسرح استعراض. الأسوأ من ذلك أن هذه الخطوات تُستخدم داخل واشنطن لتأكيد رواية ترامب عن عالم يتآمر ضد المصالح الأميركية، ما يمنحه مبرراً إضافياً للتصعيد بدل التراجع.
الناتو بين التضامن والانقسام
تحذر الجارديان من أن أزمة غرينلاند قد تتحول إلى شرخ داخل حلف الناتو إذا استمرت المقاربات الحالية. فالحلف الذي تأسس للدفاع المشترك لا يمكن أن يصمد إذا بدأ أعضاؤه يتعاملون مع بعضهم كخصوم محتملين. الدنمارك، التي سمحت لعقود بوجود عسكري أميركي واسع، تجد نفسها فجأة تحت ضغط غير مسبوق. مثل هذا السلوك، إذا تُرك دون معالجة دبلوماسية هادئة، قد يضعف الثقة داخل الحلف ويفتح الباب أمام انقسامات أعمق في وقت يحتاج فيه الناتو إلى تماسك لا إلى استعراضات قوة متبادلة.

روسيا والصين: تضخيم التهديد وتكلفة الخوف
تؤكد الجارديان أن استدعاء روسيا والصين في كل أزمة بات أسلوباً جاهزاً لتبرير السياسات المتشددة. فرغم تعقيدات العلاقة مع موسكو وبكين، لا توجد مؤشرات على تهديد وجودي مباشر لبريطانيا أو أوروبا الغربية. تضخيم هذه المخاطر يخدم صناعات السلاح وخطاب الردع أكثر مما يخدم الاستقرار. الخوف، حين يتحول إلى سياسة، يصبح أداة خطيرة تدفع الدول إلى قرارات مكلفة، وتغلق الباب أمام حلول سياسية كانت كفيلة بتخفيف التوتر دون صدام.
أوكرانيا كنموذج لتحويل النزاعات إلى صراعات شاملة
تشير الجارديان إلى أن تجربة أوكرانيا توضح كيف يمكن لنزاع إقليمي أن يُعاد تقديمه كمعركة عالمية. دعم أوكرانيا في الدفاع عن نفسها كان خطوة مبررة، لكن تحويل الحرب إلى رمز لصراع كوني دائم رفع سقف المخاطر. هذا النموذج يُستنسخ اليوم في خطاب غرينلاند، حيث يُربط أي خلاف محلي بتهديد شامل للنظام الدولي. مثل هذا التوسيع للصراعات لا يقلل الأخطار، بل يضاعفها، ويجعل التراجع أكثر صعوبة.
بريطانيا بين أولويات الداخل وضغوط الخارج
تنتقد الجارديان التوجه البريطاني نحو زيادة الإنفاق العسكري والمشاركة في مهام بعيدة عن صلب الأمن الوطني. فالدفاع، كما تشير الصحيفة، يجب أن يكون مرتبطاً بحماية البلاد لا بتحسين الصورة الدولية أو مجاراة حلفاء في أزمات لا تمس بريطانيا مباشرة. توجيه مليارات الجنيهات نحو التسلح وإرسال الجنود إلى بؤر توتر جديدة قد يرضي بعض الدوائر السياسية، لكنه يثير تساؤلات عميقة حول الأولويات الحقيقية في ظل تحديات اقتصادية واجتماعية داخلية متفاقمة.



