رويترز: الوضع الراهن للمنشآت النووية الإيرانية بعد الضربات العسكرية
في ظل تراجع المخاوف الإقليمية من شن هجوم عسكري أميركي جديد على إيران، لا يزال الغموض يحيط بالحالة الفعلية للمنشآت النووية الإيرانية الرئيسية، التي تعرضت لضربات عسكرية واسعة خلال شهر يونيو الماضي من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل. ورغم تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي أكد فيها أن المنشآت النووية الإيرانية “دُمرت بالكامل”، فإن تقييمات الوكالة الدولية للطاقة الذرية تشير إلى صورة أكثر تعقيداً وأقل حسماً.
وبحسب تقرير لوكالة رويترز صادر من فيينا، فإن الضربات استهدفت جميع منشآت تخصيب اليورانيوم الثلاث في إيران، وهي منشأتان في نطنز، إحداهما فوق الأرض والأخرى تحتها، إضافة إلى منشأة فوردو المحصنة داخل جبل قرب مدينة قم. كما طالت الهجمات مجمعاً واسعاً في أصفهان يضم مرافق أساسية ضمن دورة الوقود النووي، إلى جانب منشآت تخزين تحت الأرض يُعتقد أنها كانت تحتوي على جزء كبير من مخزون إيران من اليورانيوم المخصب.

حجم الأضرار… معلومات محدودة وغموض مستمر
حتى الآن، لم تُمنح الوكالة الدولية للطاقة الذرية حق الوصول إلى المنشآت التي تعرضت للقصف، ما يجعل من الصعب تحديد مدى الأضرار بدقة. وذكرت الوكالة في تقريرها الفصلي الصادر في نوفمبر أن سبع منشآت نووية إيرانية معلنة “تأثرت بالهجمات العسكرية”، مقابل 13 منشأة لم تتضرر، دون الخوض في تفاصيل فنية حول حجم الدمار.
غير أن الوكالة أكدت في وقت سابق أن منشأة التخصيب التجريبية الصغيرة فوق الأرض في نطنز دُمرت بالكامل. أما المنشآت الأكبر حجماً والأكثر تحصيناً، مثل منشأة نطنز تحت الأرض ومنشأة فوردو، فيُرجح أنها تعرضت لأضرار جسيمة، لكنها لم تُدمر بشكل كامل.
مدير عام الوكالة، رافائيل غروسي، أشار في يونيو إلى أن إيران قد تكون قادرة على استئناف تخصيب اليورانيوم على نطاق محدود خلال أشهر، وهو ما يتناقض مع الرواية الأميركية التي تحدثت عن “إبادة” البرنامج النووي.
مصير اليورانيوم المخصب… سؤال بلا إجابة
يبقى مصير مخزون إيران من اليورانيوم المخصب أحد أبرز مصادر القلق الدولي. فإيران لم تقدم حتى الآن تقريراً رسمياً للوكالة الدولية للطاقة الذرية يوضح ما حدث لموادها النووية بعد الضربات، رغم وصف الوكالة لهذا التقرير بأنه “عاجل ومتأخر”.
ويُعتقد أن جزءاً من هذا المخزون قد دُمر خلال القصف، إلا أن تقديرات دبلوماسية تشير إلى أن الجزء الأكبر لا يزال موجوداً. وقال غروسي في تصريحات سابقة إن الوكالة لا تملك مؤشرات على نقل واسع للمواد النووية، لكنه شدد على ضرورة التحقق الميداني.
وقبيل الضربات، كانت إيران تقوم بتخصيب اليورانيوم بنسبة تصل إلى 60%، وهي نسبة قريبة جداً من مستوى 90% اللازم لإنتاج سلاح نووي. ووفق تقديرات الوكالة، بلغ مخزون إيران آنذاك نحو 440.9 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بهذه النسبة، وهي كمية تكفي نظرياً لإنتاج ما يصل إلى عشر قنابل نووية إذا جرى تخصيبها بدرجة أعلى.

مخاوف مستمرة رغم تراجع التصعيد
رغم تراجع احتمالات التصعيد العسكري المباشر في الوقت الراهن، لا تزال المخاوف قائمة لدى الولايات المتحدة وحلفائها من قدرة إيران على إعادة بناء أجزاء من برنامجها النووي. فالمواد النووية، حتى وإن لم تُستخدم لأغراض عسكرية، يمكن توظيفها في برامج الطاقة النووية، ما يجعل الرقابة الدولية أمراً بالغ الأهمية.
وفي ظل استمرار القيود المفروضة على عمل مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، يبقى مستقبل البرنامج النووي الإيراني أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في المشهد الجيوسياسي للشرق الأوسط.



