فايننشال تايمز: كيف استعاد النظام الإيراني الشوارع بعد أسابيع من الغليان
تكشف صحيفة فايننشال تايمز في هذا التقرير ملامح واحدة من أكثر اللحظات دموية وغموضًا في تاريخ الجمهورية الإسلامية، بعدما بدت إيران، لأسابيع، على شفا انفجار شامل. صور الفوضى التي تسربت إلى الخارج أظهرت مشهدًا صادمًا: شوارع مكتظة بعشرات الآلاف من المحتجين، أصوات الرصاص ليلًا، وجثث ملفوفة بأكياس سوداء أمام المشارح. في لحظة ما، سادت قناعة لدى خصوم طهران بأن النظام يترنح وأن المرشد الأعلى قد يواجه مصيرًا مشابهًا لأنظمة سقطت تحت ضغط الشارع. لكن خلال أيام قليلة فقط، خفتت الاحتجاجات بشكل مفاجئ، وسط تعتيم إعلامي خانق وقطع شبه كامل للاتصالات. من شهادات مسربة ورسائل مشفرة وتقارير حقوقية، بدأت تتضح ملامح حملة قمع غير مسبوقة، تثير تساؤلات عميقة حول مستقبل أي حراك شعبي في إيران.

شرارة الغضب… الاقتصاد يشعل الشارع
بدأت الاحتجاجات على خلفية اقتصادية بحتة، مع تصاعد الغضب الشعبي من الانهيار السريع للعملة الإيرانية وارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات خانقة. في أواخر ديسمبر، أغلق تجار في وسط طهران محالهم تعبيرًا عن السخط، وسرعان ما امتدت التحركات إلى مدن أخرى. ما بدأ كمطالب معيشية تحول بسرعة إلى هتافات سياسية غير مسبوقة، تستهدف رأس النظام مباشرة. الشعارات التي طالبت بسقوط المرشد الأعلى عكست حجم الاحتقان المتراكم، وأظهرت أن الأزمة الاقتصادية لم تكن سوى القشة التي قصمت ظهر منظومة تعاني من فقدان الثقة الشعبية منذ سنوات.

هدوء خادع… ثم انفجار مفاجئ
في الأيام الأولى، بدا رد فعل السلطات أقل عنفًا مقارنة بمحطات سابقة، ما شجع مزيدًا من المواطنين على النزول إلى الشوارع. أساتذة جامعات وطلاب انضموا إلى الاحتجاجات بعد تعليق الدراسة، وسط شعور نادر بانعدام الخوف. غير أن هذا الهدوء كان مؤقتًا. عند مساء أحد أيام يناير، ومع دعوات صريحة للتظاهر أطلقها معارضون في الخارج، تغيّر المشهد كليًا. قُطعت الإنترنت والاتصالات الدولية، وعُزلت البلاد عن العالم، لتبدأ بعدها حملة أمنية واسعة قلبت موازين الشارع خلال ساعات قليلة.
قبضة حديدية… الرصاص بدل الحوار
وفق شهادات متطابقة من داخل إيران، استخدمت قوات الأمن أسلحة حية بشكل مكثف، وأطلقت النار من فوق مبانٍ سكنية ومساجد ومراكز شرطة. تقارير حقوقية تحدثت عن استهداف مباشر للرؤوس والصدر، ما أدى إلى سقوط أعداد هائلة من القتلى. مشاهد الرعب ليلًا، وصراخ العائلات، وانتشار الخوف في الأحياء السكنية، رسمت صورة قاتمة لحملة قمع وُصفت بأنها الأوسع منذ قيام الجمهورية الإسلامية. قطع الإنترنت ساهم في إخفاء الحجم الحقيقي للضحايا، تاركًا المجتمع الدولي أمام معلومات مجتزأة وصور مسربة.

ميدان معقّد… محتجون أم مجموعات منظمة؟
لم تكن ساحة الاحتجاجات موحدة المعالم. شهادات من قلب الأحداث تحدثت عن وجود مجموعات منظمة ترتدي ملابس سوداء، تتحرك بسرعة، وتشعل الحرائق قبل أن تختفي. هذا التداخل بين محتجين سلميين وعناصر مسلحة أو شبه عسكرية منح النظام ذريعة لتصوير الحراك على أنه أعمال شغب مدفوعة من الخارج. في المقابل، سقط قتلى من المدنيين وقوات الأمن على حد سواء، ما زاد من تعقيد المشهد، وأضعف قدرة الرأي العام على التمييز بين الاحتجاج الشعبي والفوضى المنظمة.
الرواية الرسمية… أصابع الاتهام إلى الخارج
سارع النظام إلى تحميل الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية ما جرى، واعتبر الاحتجاجات جزءًا من مخطط أمني طويل الأمد. تصريحات رسمية تحدثت عن “خلايا إرهابية” وعمليات مدبرة مسبقًا، بينما بث الإعلام الحكومي اعترافات متلفزة لموقوفين قالوا إنهم تلقوا أموالًا ودعمًا من الخارج. هذا الخطاب، مدعومًا بتصريحات دولية مؤيدة للاحتجاجات، ساعد السلطة على إعادة تعبئة قواعدها، وتبرير القمع بوصفه دفاعًا عن الدولة في مواجهة مؤامرة خارجية.
شوارع صامتة… وخوف يملأ البيوت
بعد أيام من القمع، خيم الصمت على المدن الإيرانية. وصف شهود عيان الأجواء بأنها “خانقة وميتة”، حيث انشغل الناس بالبحث عن جثامين أقاربهم أو محاولة علاج الجرحى بعيدًا عن أعين الأمن. تزامن ذلك مع اعتقالات جماعية طالت الآلاف، ما عمّق حالة الرعب. ورغم تراجع الاحتجاجات، يؤكد مراقبون أن الأسباب الجذرية للأزمة لا تزال قائمة: اقتصاد منهك، فساد مستشرٍ، وعقوبات دولية خانقة. في هذا المناخ، يرى كثيرون أن الهدوء الحالي قد لا يكون سوى مرحلة مؤقتة قبل موجة جديدة من الغضب الشعبي.



