فايننشال تايمز البريطانية: الهجوم القانوني على الفيدرالي يهدد عرش الدولار
تفتح فايننشال تايمز البريطانية ملفًا بالغ الخطورة يتعلق بمستقبل الدولار الأمريكي، في ظل تصعيد غير مسبوق من إدارة الرئيس دونالد ترامب ضد مجلس الاحتياطي الفيدرالي ورئيسه جاي باول. فالهجوم هذه المرة لا يقتصر على التصريحات السياسية أو الضغوط الإعلامية، بل اتخذ طابعًا قانونيًا مباشرًا، ما يثير مخاوف عميقة لدى المستثمرين والبنوك المركزية حول استقلالية السياسة النقدية الأمريكية. ويطرح التقرير تساؤلًا جوهريًا: هل يمكن أن تؤدي هذه المواجهة إلى تقويض مكانة الدولار كعملة الاحتياطي الأولى في العالم؟ وفق تحليل الخبراء، فإن المخاطر حقيقية، وقد تمتد آثارها إلى الاستقرار المالي العالمي والنظام الاقتصادي الدولي بأكمله.
ترامب والفائدة… صدام مع أبجديات الاقتصاد
يرى التقرير أن جوهر الأزمة يكمن في إصرار ترامب على خفض أسعار الفائدة إلى حدود 1% أو أقل، في وقت لا يزال فيه التضخم أعلى من المستهدف. هذا التوجه، بحسب اقتصاديين، يتناقض مع أبسط قواعد السياسة النقدية، إذ إن خفض الفائدة في ظل تضخم مرتفع قد يشعل موجة جديدة من ارتفاع الأسعار ويقوض ثقة المستثمرين. فايننشال تايمز تشير إلى أن أي استجابة قسرية من الفيدرالي لهذه الضغوط ستدفع الأسواق إلى الهروب من الأصول المقومة بالدولار، ما قد يؤدي إلى انهيار حاد في قيمة العملة الأمريكية، وليس مجرد تراجع محدود كما قد يتصور البيت الأبيض.
القانون كسلاح سياسي ضد الفيدرالي
التحرك القانوني ضد جاي باول، بذريعة التحقيق في تجديدات مقر الاحتياطي الفيدرالي، يُنظر إليه على نطاق واسع كأداة ضغط سياسية. التقرير يلفت إلى أن الهدف غير المعلن قد يكون إقصاء باول ومنع استمراره كعضو مؤثر داخل لجنة السوق المفتوحة بعد انتهاء ولايته، تحسبًا لعرقلة قرارات خفض الفائدة. كما أن ملاحقة أعضاء آخرين في الفيدرالي، مثل ليزا كوك، ترسل رسالة واضحة مفادها أن أي معارضة لخط الرئيس قد تُقابل بما يسمى “الحرب القانونية”.
ثقة المستثمرين… حجر الأساس المهدد
تشدد فايننشال تايمز على أن قوة الدولار لا تقوم فقط على حجم الاقتصاد الأمريكي، بل على الثقة العميقة في استقلالية مؤسساته، وعلى رأسها البنك المركزي. المستثمرون الدوليون ومديرو الاحتياطيات يحتاجون إلى ضمانات بأن السياسة النقدية لن تُدار من المكتب البيضاوي وفق اعتبارات سياسية قصيرة الأجل. أي مساس بهذه القناعة قد يدفعهم إلى إعادة النظر في حجم حيازاتهم من الدولار، وهو ما يمثل تهديدًا مباشرًا لمكانته العالمية.
التاريخ يحذر… العملات الكبرى لا تحكمها الأهواء
يعيد التقرير التذكير بأن جميع العملات التي سيطرت على النظام المالي العالمي عبر القرون — من الفلورين والدوقات إلى الجنيه الإسترليني ثم الدولار — ارتبطت بأنظمة سياسية توفر حدًا أدنى من المساءلة والفصل بين السلطات. استقلالية إصدار العملة كانت دائمًا عنصرًا حاسمًا في الثقة الدولية. ومن هذا المنظور، فإن تسييس الاحتياطي الفيدرالي يضع الدولار على مسار خطر، يتناقض مع التجربة التاريخية التي حفظت له الصدارة لعقود.
هل هناك بديل عن الدولار؟ ليس بالكامل… ولكن
صحيح، كما يقول التقرير، أنه لا توجد عملة قادرة حاليًا على الحلول محل الدولار بالكامل، لكن هذا لا يعني الحصانة المطلقة. البنوك المركزية بدأت بالفعل في تنويع احتياطياتها عبر الذهب وعملات غير تقليدية. الأخطر من ذلك، أن بعض الدول قد تتجه إلى تقليص اعتمادها على الأصول الدولارية لصالح استثمارات محلية، حتى وإن كانت أقل سيولة. هذا التحول، إن تسارع، قد يؤدي إلى نقص السيولة العالمية، وزيادة تقلبات أسعار الصرف، ورفع تكلفة التجارة الدولية، في سيناريو يعيد إلى الأذهان أزمات الثلاثينيات من القرن الماضي، حين أدى تسييس البنوك المركزية إلى انهيار مالي واسع النطاق.



