تقرير فايننشال تايمز البريطانية: الذهب يسجل قمة تاريخية والدولار يتراجع وسط مخاوف على استقلالية الفيدرالي

ترصد فايننشال تايمز البريطانية موجة اضطراب جديدة في الأسواق العالمية، بعدما قفز الذهب إلى مستوى قياسي غير مسبوق، بالتزامن مع تراجع الدولار وأسهم وول ستريت، إثر فتح المدعين العامين في الولايات المتحدة تحقيقًا جنائيًا بحق رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جاي باول. التطور أثار قلق المستثمرين من احتمال تآكل استقلالية البنك المركزي الأمريكي، في وقت تتصاعد فيه الضغوط السياسية على السياسة النقدية. وبين مخاوف التضخم طويل الأمد، وتنامي عدم اليقين الجيوسياسي، عاد الذهب ليتصدر المشهد كملاذ آمن، بينما اهتزت الثقة بالدولار باعتباره حجر الأساس للنظام المالي العالمي.
قفزة تاريخية للذهب وتراجع الدولار
ارتفع الذهب خلال تعاملات الاثنين بأكثر من 2%، ليصل إلى ما فوق 4,600 دولار للأونصة لأول مرة في تاريخه، في إشارة واضحة إلى انتقال المستثمرين نحو الأصول الآمنة. في المقابل، تراجع الدولار بنحو 0.3% أمام سلة من العملات الرئيسية، من بينها اليورو والجنيه الإسترليني. كما سجلت الفضة قفزة حادة بلغت نحو 6%، محققة مستوى قياسيًا جديدًا تجاوز 85 دولارًا للأونصة، في موجة شراء واسعة شملت المعادن النفيسة.
وول ستريت تحت الضغط
لم تقتصر الاضطرابات على سوق العملات والمعادن، إذ انخفضت الأسهم الأمريكية في بداية جلسات التداول، مع تراجع مؤشر S&P 500 بنسبة 0.4%. في الوقت نفسه، ارتفع العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات إلى نحو 4.20%، ما يعكس ارتفاع علاوة المخاطر، وتزايد قلق المستثمرين من مستقبل السياسة النقدية الأمريكية في ظل التدخلات السياسية المحتملة.
تحقيق جنائي يهز الثقة بالفيدرالي
جاءت هذه التحركات بعد إعلان جاي باول أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي تلقى مذكرات استدعاء من هيئة محلفين كبرى، إلى جانب تهديد بتوجيه اتهام جنائي من وزارة العدل، على خلفية شهادته أمام الكونغرس بشأن مشروع تجديد مقر الفيدرالي بتكلفة 2.5 مليار دولار. ويرى محللون أن التحقيق يمثل تصعيدًا خطيرًا في المواجهة بين البيت الأبيض والبنك المركزي، وقد يفتح الباب أمام ضغوط غير مسبوقة على صانعي السياسة النقدية.
مخاوف من تضخم وعدم يقين نقدي
يعتقد مستثمرون أن رد فعل الأسواق يعكس خشية من أن تُجبر الضغوط السياسية الفيدرالي على إبقاء أسعار الفائدة أقل مما تقتضيه المعطيات الاقتصادية، ما قد يؤدي إلى ارتفاع التضخم على المدى الطويل. ويشير خبراء إلى أن مثل هذه السيناريوهات سبق أن شهدتها الأسواق، حيث يؤدي تسييس السياسة النقدية إلى ضعف الدولار، وارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل، وتنامي توقعات التضخم
.الذهب… ملاذ جيوسياسي بامتياز
في ظل هذا المناخ، عاد الذهب بقوة ضمن ما يسميه بعض المحللين بـ“تجارة تآكل القيمة”، حيث يسعى المستثمرون للتحوط من احتمال تراجع قيمة الأصول المقومة بالدولار. ويرى خبراء استثمار أن الذهب أصبح أبرز أصول التحوط الجيوسياسي، متفوقًا حتى على السندات، في وقت تتزايد فيه المخاطر العالمية، من التوترات في الشرق الأوسط إلى تصاعد المواجهات السياسية داخل الولايات المتحدة نفسها.
استقلالية الفيدرالي تحت المجهر
رغم حدة التطورات، يرى بعض الاقتصاديين أن رد فعل الأسواق لا يزال محدودًا نسبيًا، في إشارة إلى استمرار ثقة جزئية بقدرة الفيدرالي على الحفاظ على استقلاليته. إلا أن محللين حذروا من أن تعيين شخصية موالية سياسيًا على رأس البنك المركزي في المستقبل قد يدفع توقعات التضخم إلى الارتفاع التدريجي، ويُدخل النظام المالي العالمي في مرحلة جديدة من عدم الاستقرار.



