تقرير نيويورك تايمز الأمريكية: خامنئي… زعيم لا يلين وحكمٌ قائم على القمع مهما تغيّر الزمن

ترسم نيويورك تايمز الأمريكية صورة قاتمة لمسيرة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، الذي أمضى 37 عامًا في حكم الجمهورية الإسلامية معتمدًا على نهج ثابت لا يعرف المراجعة أو التنازل. فمع تجدد الاحتجاجات واتساع الفجوة بين السلطة والمجتمع، يبدو أن رد خامنئي لم يتغير: قمع بلا هوادة، وتشبث أيديولوجي بالسلطة، وعداء دائم للولايات المتحدة والغرب. الصحيفة ترى أن “عقلية الملجأ” التي لجأ إليها المرشد خلال الحرب الأخيرة أصبحت استعارة لحكمه بأكمله؛ نظام مغلق، جامد، يخشى التغيير ويعتبر أي اعتراض تهديدًا وجوديًا، حتى لو كان الثمن مزيدًا من الدماء والعزلة الدولية.
عقلية الحصار… نظام يرى العالم عدوًا
خلال الحرب التي استمرت 12 يومًا مع إسرائيل والولايات المتحدة، اختفى خامنئي عن الأنظار، متحصنًا في ملجأ أسفل مجمعه في طهران، مقاطعًا كل وسائل الاتصال. ترى الصحيفة أن هذا السلوك لا يخص لحظة عسكرية فقط، بل يعكس فلسفة حكم كاملة، تقوم على الارتياب الدائم من الداخل والخارج. فخامنئي، بحسب محللين، يرى نفسه في معركة وجودية مستمرة، حيث لا مكان للتسويات أو الإصلاحات التي قد تُضعف قبضة النظام.
القمع كخيار ثابت عبر العقود
منذ أواخر التسعينيات، لم تمر موجة احتجاجات كبرى في إيران دون أن تُقابل بعنف متصاعد. آلاف القتلى، عشرات الآلاف من المعتقلين، وأحيانًا إعدامات علنية، أصبحت أدوات مألوفة في مواجهة الغضب الشعبي. ومع الاحتجاجات الأخيرة، التي هزّت البلاد على خلفيات اقتصادية وسياسية، عاد السيناريو ذاته. وتشير الصحيفة إلى أن التهديد الأمريكي بالتدخل العسكري وضع النظام أمام معضلة، لكن التاريخ يؤكد أن خامنئي يفضّل القمع مهما كانت الكلفة.
العدو الدائم… تفسير كل أزمة
يعتمد خامنئي على خطاب قديم متجدد، يُرجع فيه كل الأزمات الداخلية إلى “المؤامرات الخارجية”. تقلبات العملة، الغضب الشعبي، وحتى الاحتجاجات الاجتماعية، يصفها بأنها من “صنع العدو”. أحيانًا يُسميه “الاستكبار العالمي”، وأحيانًا يوجه أصابع الاتهام صراحة إلى الولايات المتحدة أو إسرائيل، التي وصفها مرارًا بـ“الورم السرطاني”. هذا الخطاب، بحسب نيويورك تايمز، يهدف إلى تبرير القمع، وتحويل الأنظار عن الأزمات البنيوية داخل الدولة.
من خليفة ضعيف إلى حاكم مطلق
عندما تولى خامنئي منصب المرشد الأعلى عام 1989، بعد وفاة آية الله الخميني، لم يكن يتمتع بالمكانة الدينية اللازمة. لكن المؤسسة الدينية سارعت إلى ترقيته ومنحه الألقاب التي تضمن له الشرعية. منذ ذلك الحين، ركز خامنئي السلطة في يده، فأصبح صاحب الكلمة النهائية في كل مفاصل الدولة: من القضاء، إلى الإعلام، إلى الأمن والجيش. كما أحكم سيطرته على الحرس الثوري والباسيج، وبنى دائرة ولاء مغلقة ضمنت بقاء النظام رغم الإخفاقات الاقتصادية والعسكرية.
احتجاجات تتكرر… والنظام يصمد
شهدت إيران موجات احتجاج كبرى في أعوام 1999 و2009، ثم في العقد الأخير بسبب الغلاء والوقود، وصولًا إلى احتجاجات 2022 التي رفعت شعار “المرأة، الحياة، الحرية”. ورغم تصاعد المطالب بإسقاط النظام، لم تنجح أي من هذه الانتفاضات في إحداث شرخ حقيقي داخل السلطة. تشير الصحيفة إلى أن تماسك النخبة الحاكمة، وولاء الأجهزة الأمنية، حال دون انهيار النظام، لكنه لم يُنهِ جذور الغضب المتراكمة في المجتمع.

مجتمع يتغير… وقيادة ترفض التغيير
تؤكد نيويورك تايمز أن المجتمع الإيراني تغيّر جذريًا: أصبح أكثر حضرية، وأكثر اتصالًا بالعالم، وأكثر وعيًا، خاصة بين النساء والشباب. في المقابل، بقي خامنئي أسير رؤية تعود لعقود مضت. العقوبات الاقتصادية، التضخم، وتدهور مستوى المعيشة، عمّقت السخط الشعبي، بينما لا يزال نحو خمس الإيرانيين فقط يدعمون النظام بصلابة. ومع ذلك، يصر المرشد على تقديم بقاء النظام بوصفه “نصرًا”، معتبرًا أن الصمود بحد ذاته دليل شرعية، حتى لو كان الثمن عزلة دولية وشعبًا يزداد غضبًا.



