فايننشال تايمز: حرب المسيّرات الخفية.. روسيا وأوكرانيا في سباق محموم على المكوّنات الصينية
في الوقت الذي تبدو فيه جبهات القتال في أوكرانيا مشتعلة على امتداد مئات الكيلومترات، تجري حرب موازية أقل وضوحًا ولكنها لا تقل أهمية داخل المصانع والمعارض الصناعية في جنوب الصين. فالمسيّرات تحولت إلى السلاح الأكثر حسمًا في الحرب الروسية–الأوكرانية، ومع هذا التحول أصبحت سلاسل الإمداد الصينية عنصرًا حاسمًا في ميزان القوة بين الطرفين. روسيا وأوكرانيا، رغم عدائهما الدموي، تعتمدان على الموردين أنفسهم في شنتشن وغوانغدونغ للحصول على الكاميرات، المعالجات، والمحركات التي تمنح الطائرات بدون طيار أعينها وأجنحتها. هذا التقرير يستعرض كيف أصبحت الصين نقطة ارتكاز غير معلنة في الحرب، ولماذا يعتقد خبراء أن الكفة تميل بهدوء لصالح موسكو.

مصانع الصين.. حيث يلتقي الخصمان دون أن يتصافحا
في أروقة المصانع الصينية، تُدار لقاءات رجال الأعمال الأوكرانيين والروس بدقة تكاد تشبه العمليات الاستخباراتية. يروي أوليكساندر ياكوفينكو، مؤسس إحدى كبرى شركات المسيّرات الأوكرانية، كيف يُطلب منه أحيانًا الانتظار في سيارات أو دخول مبانٍ جانبية، فقط لتجنب أي تزامن مع وفود روسية. الموردون الصينيون، بحسب شهادته، يحرصون على الفصل الزمني التام بين الطرفين، بحيث لا يلتقيان أبدًا في المكان نفسه. هذه التفاصيل تكشف حجم التداخل بين سلاسل الإمداد، وكيف تحولت المصانع الصينية إلى مسرح خلفي لحرب تُدار بالقطع الإلكترونية والرقائق الدقيقة، لا بالمدافع وحدها.

المسيّرات.. سلاح يحسم المعارك ويعيد تشكيل الحرب
لم تعد الطائرات المسيّرة مجرد أداة مساندة في الحرب، بل أصبحت عامل الحسم الرئيسي، مسؤولة عن نسبة ضخمة من الخسائر البشرية على الجانبين. روسيا وأوكرانيا سارعتا إلى توطين إنتاج المسيّرات، لكن الواقع أن هذا “التوطين” يعتمد بدرجة ساحقة على مكوّنات صينية. فالمعالجات والكاميرات والمحركات القادمة من الصين أرخص بكثير من نظيراتها الغربية، وأكثر توفرًا، ما جعل الطرفين مرتبطين بالمورد نفسه. ومع كل تطور تقني يظهر على إحدى الجبهتين، يدرك الطرف الآخر بسرعة مصدره، ويبدأ سباق جديد للحصول على التكنولوجيا ذاتها.

حياد معلن.. وانحياز متَّهم بهدوء
رغم إعلان بكين حيادها وفرضها قيودًا رسمية على تصدير التكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج، تتهم كييف ودول غربية الصين بغضّ الطرف عن تدفق المكوّنات إلى روسيا. مسؤولون أوكرانيون يؤكدون أن شركات روسية، بدعم مالي أكبر، نجحت في شراء خطوط إنتاج كاملة ونقلها إلى الأراضي الروسية، متجاوزة العقوبات الغربية والضوابط الصينية. هذا الوضع يعزز شعورًا متزايدًا داخل أوكرانيا بأن موسكو تحصل على إمدادات أكثر استقرارًا، بينما تواجه كييف عراقيل أكبر في الشحن والتراخيص، رغم اعتمادها الشديد على السوق الصينية.

المعارض والوسطاء.. طرق ملتوية لتجاوز القيود
في معارض المسيّرات الكبرى في شنتشن، تختلط الشركات الصينية بمشترين من أوروبا الشرقية وروسيا، وسط عروض لمعدات تحمل طابعًا عسكريًا واضحًا. بعض البائعين يعترفون بأن التصدير يتم عبر شركات وسيطة أو طرق شحن غير مباشرة، تمر أحيانًا عبر آسيا الوسطى. ورغم تشديد الصين لقوانين التصدير منذ 2024، يؤكد تجار ومصدرون أن الثغرات لا تزال واسعة، وأن القيود لم تؤدِّ سوى إلى “احتكاك بسيط” في سلاسل الإمداد، دون أن توقفها فعليًا.

مكوّنات صينية في حطام الطائرات الروسية
الطائرات الروسية التي تُسقطها الدفاعات الأوكرانية تكشف بانتظام عن مكوّنات صينية تحمل أرقامًا تسلسلية واضحة. ورغم أن وجود هذه القطع لا يثبت بالضرورة نية التصدير العسكري، فإنه يعكس عمق اعتماد موسكو على التكنولوجيا الصينية. تقارير مراكز بحثية أوكرانية تشير إلى أن المكوّنات الصينية باتت تنافس نظيراتها الأمريكية في الطائرات الروسية، فيما تلعب شركات سويسرية أيضًا دورًا ملحوظًا. هذا التنوع لا يخفي حقيقة أن الصين أصبحت المورد الأثقل وزنًا في هذا المجال.

التفوق الروسي في سلاسل الإمداد
يرى خبراء أن الفارق الحقيقي بين الطرفين لا يكمن في التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في القدرة على تأمين تدفق مستقر لها. روسيا، مستفيدة من علاقتها السياسية الوثيقة مع بكين، نجحت في دمج موارد الدولة مع السوق الصينية لضمان إمدادات شبه مستمرة، بل وتوسيع إنتاج مسيّرات بعيدة المدى بمعدلات غير مسبوقة. في المقابل، لا تزال أوكرانيا عرضة للضغوط السياسية والتقييدات اللوجستية. هذا الاختلال في الاستقرار الصناعي، وليس فقط في السلاح، بات عاملًا حاسمًا في إطالة أمد الحرب وتعقيد فرص إنهائها.



