فايننشال تايمز: تيك توك يُنهي صفقة ترامب للبقاء في الولايات المتحدة… تسوية سياسية–اقتصادية تعيد رسم مستقبل التطبيق
بعد سنوات من الشد والجذب السياسي والأمني بين واشنطن وبكين، أعلنت منصة «تيك توك» التوصل إلى تسوية نهائية مع الإدارة الأميركية، بوساطة مباشرة من الرئيس دونالد ترامب، تضمن استمرار عمل التطبيق داخل الولايات المتحدة وتجنب سيناريو الحظر أو التفكيك القسري. الصفقة الجديدة لا تقتصر على مجرد ترتيب قانوني، بل تعكس مزيجًا معقدًا من المصالح الاقتصادية، والحسابات الجيوسياسية، ومخاوف الأمن القومي، في لحظة يشهد فيها العالم تصاعدًا في التنافس التكنولوجي بين القوتين الأكبر عالميًا. وبموجب الاتفاق، جرى إنشاء كيان أميركي جديد يتولى إدارة بيانات المستخدمين والخوارزميات، مع بقاء الخطوط التجارية الأساسية في يد الشركة الأم «بايت دانس». هذه الصيغة، التي أثارت جدلًا واسعًا داخل الأوساط السياسية الأميركية، تُعد واحدة من أكثر التسويات إثارة للجدل في تاريخ شركات التكنولوجيا العابرة للحدود.
كيان أميركي جديد لحماية البيانات والخوارزميات
الركيزة الأساسية في صفقة تيك توك تمثلت في إنشاء وحدة مستقلة داخل الولايات المتحدة تُعنى بأمن البيانات والخوارزميات وإدارة المحتوى. هذه الوحدة، التي أُسست كشركة مشتركة، ستتولى مسؤوليات حساسة تشمل حماية بيانات المستخدمين الأميركيين، وضمان سلامة خوارزمية التوصية، ومراقبة أنظمة الإشراف على المحتوى، إلى جانب التدقيق في البرمجيات. ووفقًا للشركة، فإن هذه الخطوة تهدف إلى طمأنة الجهات التنظيمية الأميركية بأن بيانات المستخدمين لن تكون عرضة لأي تدخل خارجي. غير أن اللافت أن هذه الوحدة لا تمس جوهر النشاط الربحي للتطبيق، ما يعكس حرص «بايت دانس» على تقديم تنازلات أمنية محسوبة دون التفريط في القلب الاقتصادي للمنصة.

هيمنة المستثمرين الأميركيين وبقاء النفوذ الصيني
رغم الطابع الأميركي الظاهري للكيان الجديد، فإن الصفقة حافظت على توازن دقيق بين واشنطن وبكين. فالمستثمرون الأميركيون، ومن بينهم شركات كبرى مثل «أوراكل» و«سيلفر ليك»، يمتلكون الحصة الأكبر التي تصل إلى 80%، بينما تحتفظ «بايت دانس» بنسبة 19.9%، وهي الحد الأقصى المسموح به قانونيًا. هذا الترتيب يمنح الولايات المتحدة سيطرة شكلية، لكنه في الوقت نفسه يُبقي للشركة الصينية نفوذًا اقتصاديًا معتبرًا. ويشير مراقبون إلى أن هذه الصيغة تعكس تسوية سياسية أكثر منها قطيعة حقيقية، حيث جرى تجنب سيناريو التفكيك الكامل الذي طالبت به تشريعات سابقة.
مجلس إدارة بنكهة سياسية واستثمارية ثقيلة
مجلس إدارة الكيان الجديد يضم أسماء ذات ثقل سياسي واستثماري، ما يعكس حساسية الصفقة وأهميتها. فوجود شخصيات من شركات استثمارية كبرى، إلى جانب قيادات تنفيذية في «أوراكل»، يضفي على المشروع غطاءً مؤسسيًا قويًا. كما أن تعيين مدير العمليات في تيك توك، المعروف بعلاقته الوثيقة بالإدارة العليا، في منصب الرئيس التنفيذي للكيان الجديد، يشير إلى استمرار التنسيق العميق مع الشركة الأم. هذا التداخل بين الإدارة الأميركية والمصالح الاستثمارية الخاصة يعزز الانطباع بأن الصفقة صُممت لتكون مقبولة سياسيًا، وفي الوقت ذاته مربحة اقتصاديًا.
ترامب يحتفي بالصفقة وبكين تلتزم الصمت الحذر
الرئيس دونالد ترامب لم يُخفِ احتفاءه العلني بالاتفاق، معتبرًا أنه أنقذ التطبيق وضمن انتقاله إلى “أيدٍ أميركية وطنية”، على حد وصفه. كما وجه شكرًا مباشرًا إلى الرئيس الصيني شي جين بينغ، في إشارة واضحة إلى أن الصفقة نالت موافقة ضمنية من بكين. ورغم غياب إعلان رسمي صيني يؤكد الموافقة النهائية، فإن المؤشرات توحي بأن بكين منحت الضوء الأخضر للإطار العام، في خطوة تعكس رغبتها في تجنب مواجهة اقتصادية جديدة مع واشنطن، خاصة في قطاع التكنولوجيا شديد الحساسية.

تقييمات مالية ضخمة ومكاسب اقتصادية لبايت دانس
الصفقة جاءت في وقت ارتفعت فيه قيمة «بايت دانس» السوقية بشكل ملحوظ، لتقترب من 500 مليار دولار، مقارنة بفترة سابقة هبطت فيها التقييمات إلى أقل من 300 مليار بسبب تهديدات الحظر. هذا الارتفاع يعكس ثقة المستثمرين في أن التسوية الأميركية ستُبقي السوق الأكبر عالميًا مفتوحًا أمام تيك توك. كما أن احتفاظ الشركة الصينية بالسيطرة على أنشطة التجارة الإلكترونية والإعلانات والتسويق يضمن لها استمرار تدفق الإيرادات، وهو ما دفع بعض المراقبين إلى وصف الصفقة بأنها إنقاذ اقتصادي لبايت دانس بغطاء سياسي أميركي.
خوارزمية التوصية… العقدة التي لم تُحل بالكامل
رغم كل الترتيبات، تبقى خوارزمية تيك توك محور الجدل الأكبر. فالاتفاق ينص على ترخيص الخوارزمية من «بايت دانس» للكيان الأميركي، مع إعادة تدريبها وتحديثها باستخدام بيانات المستخدمين داخل الولايات المتحدة، وتخزينها على سحابة «أوراكل» الأميركية. إلا أن منتقدين يرون أن هذا الترتيب لا يمنع فعليًا استمرار النفوذ الصيني غير المباشر على جوهر التكنولوجيا، معتبرين أن الصفقة عالجت المخاوف السطحية دون المساس بجذور القلق الأمني، ما يجعلها عرضة لإعادة الفحص في حال تغيرت موازين القوى السياسية داخل الكونغرس.



