الجارديان: هل تتحول واشنطن إلى التهديد الأكبر لبريطانيا؟… رئاسة ترامب تعيد رسم خرائط الخطر
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، اعتادت بريطانيا أن تنظر شرقًا عندما تفكر في مصادر التهديد، واضعة روسيا في صدارة المخاوف الأمنية والعسكرية. هذا التصور ترسخ عبر عقود من الخطاب السياسي والعسكري، حتى أصبح جزءًا من العقل الجمعي للمؤسسة الحاكمة. غير أن عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، برئاسة توصف داخل أوروبا بالعدائية والمتقلبة، بدأت تهز هذه المسلمات القديمة. فسياسات ترامب، وخطابه الصدامي تجاه أوروبا، ومواقفه من التحالفات التقليدية، تطرح سؤالًا غير مسبوق: هل يمكن أن تصبح الولايات المتحدة نفسها مصدر تهديد مباشر للمصالح البريطانية؟ هذا السؤال لم يعد محصورًا في دوائر أكاديمية أو صحفية، بل بدأ يتسلل إلى استطلاعات الرأي، ويكشف فجوة متنامية بين وعي الشارع البريطاني وجمود المؤسسة السياسية.
صناعة العدو… تقليد بريطاني راسخ
تاريخيًا، برعت الدولة البريطانية في ترسيخ صورة “العدو الخارجي” في وعي الرأي العام، مستفيدة من موقعها الجغرافي كجزيرة صغيرة ذات تاريخ عسكري طويل. هذه الصناعة لا تقتصر على الحكومات، بل تشارك فيها الأحزاب الكبرى، وأجهزة الاستخبارات، ومراكز الأبحاث، ووسائل الإعلام. وغالبًا ما تُستخدم لغة “الأمن القومي” الفضفاضة لتبرير هذا الخطاب، سواء عبر تسريبات غير رسمية أو تصريحات علنية. هذا النمط المتكرر خلق حالة ذهنية تجعل المجتمع البريطاني دائم الاستعداد لتصديق أن الخطر يأتي دائمًا من الخارج، ومن اتجاه محدد سلفًا، دون مساءلة جدية للفرضيات القديمة.
المؤسسة العسكرية وإنذار الحرب غير المعلنة
في الأشهر الأخيرة، تصاعد خطاب التحذير داخل المؤسسة العسكرية البريطانية بشكل لافت. تصريحات كبار القادة، التي تتحدث عن “مرحلة أخطر من أي وقت مضى”، تعكس شعورًا بأن البلاد باتت على أعتاب صراع واسع، حتى وإن لم يُعلن رسميًا. هذا الخطاب يعيد إلى الأذهان أجواء الحرب الباردة، ويطالب بتعبئة وطنية شاملة. غير أن الإشكالية تكمن في أن هذه التحذيرات لا تُحدد بدقة طبيعة الخصم الجديد، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول ما إذا كانت المؤسسة الأمنية تعيد تدوير خطاب قديم في عالم تغيرت فيه موازين التهديد.
روسيا في الواجهة… وأميركا في الظل
رغم كل التحولات الدولية، ما زالت روسيا تحتل موقع “العدو الافتراضي” في التفكير الأمني البريطاني، خاصة بعد غزو أوكرانيا. غير أن هذا التركيز شبه الحصري على الشرق الأوروبي بات يبدو قاصرًا في ظل سلوك أميركي يتسم بالتصعيد تجاه حلفائه التقليديين. سياسات ترامب في ملفات التجارة، والمناخ، وحرية التعبير، والتعددية الثقافية، وحتى الأمن العسكري، كشفت عن فجوة قيمية عميقة بين واشنطن وأوروبا. أزمة غرينلاند لم تكن سوى حلقة جديدة في سلسلة مواقف تعكس احتقارًا متزايدًا للنظام الأوروبي الليبرالي.

تصدع «العلاقة الخاصة» وصمت الدولة العميقة
العلاقة الأميركية–البريطانية، التي طالما وُصفت بـ«الخاصة»، شكلت حجر زاوية في سياسة لندن الخارجية لأكثر من ثمانية عقود. هذه العلاقة تجسدت في تعاون استخباراتي عميق، وقواعد عسكرية، وبرامج تسليح نووي مشتركة. غير أن هذا الإرث الثقيل يجعل الاعتراف بتآكله أمرًا بالغ الصعوبة داخل أروقة الحكم. ورغم تحذيرات صريحة من مراكز أبحاث مرموقة بشأن ضرورة الاستعداد لمواجهة أميركية تجارية وأمنية محتملة، ما زالت الدولة البريطانية تتعامل مع تحولات واشنطن باعتبارها انحرافًا مؤقتًا، لا تغييرًا بنيويًا.
الرأي العام يتغير… والنخبة تماطل
على عكس المؤسسة الحاكمة، أظهر الرأي العام البريطاني مرونة لافتة في إعادة تقييم موقع الولايات المتحدة. استطلاعات حديثة كشفت أن نسبة متزايدة من البريطانيين باتت ترى واشنطن مصدر تهديد، وهي قفزة تعكس وعيًا متناميًا بطبيعة التحول الأميركي. هذا التباين بين الشارع والنخبة السياسية يسلط الضوء على أزمة تفكير استراتيجي داخل الدولة. فبينما يتعلم المواطن العادي التكيف مع عالم متقلب، ما زالت النخبة تراهن على الزمن، وعلى فكرة أن ترامب ظاهرة عابرة، متجاهلة صعود تيار قومي أميركي قد يستمر طويلًا.
أميركا ما بعد ترامب… الخطر المستدام
حتى لو غادر ترامب المشهد، فإن الأفكار التي أطلقها لم تعد هامشية داخل السياسة الأميركية. صعود شخصيات تتبنى رؤية متشددة تجاه أوروبا، وتؤمن بتكريس الهيمنة الأميركية دون اعتبار للتحالفات، يشير إلى تحول أعمق. هذا الواقع يضع بريطانيا أمام خيارين: إما التمسك بأوهام الماضي، أو الشروع في إعادة تفكير جذري في موقعها داخل النظام الدولي. الرهان على عودة تلقائية للوضع السابق قد يكون أخطر من مواجهة الحقيقة، في عالم لم تعد فيه التحالفات ثابتة ولا الأصدقاء دائمين.



