جزر جنوب غرب اليابان: نقطة تركيز جديدة في تحالف طوكيو وواشنطن

في أحدث لقاء بين وزير الدفاع الياباني كويزومي شينجيرو ووزير الدفاع الأمريكي بيت هغسِث، تصاعدت أهمية جزر جنوب غرب اليابان (Nansei) لتصبح محورًا استراتيجيًا في التحالف الياباني–الأمريكي، خاصة في ظل تصاعد التوترات مع الصين واحتدام الأزمة حول تايوان. اللقاء الذي عقد في واشنطن يوم 15 يناير، كان الرابع بين الوزيرين منذ تولي كويزومي المنصب في أكتوبر، وتركز على تعزيز التنسيق العملياتي والتدريبات المشتركة وتطوير البنية القيادية للتحالف، مع اهتمام خاص بزيادة الوجود العسكري في الجزر الجنوبية الغربية لليابان.
الخطوة الأبرز في هذا السياق هي توسيع نطاق التدريبات المشتركة لتصبح أكثر واقعية وشمولًا عبر “سلسلة الجزر الأولى”، وهو ما أكده هغسِث في بيان افتتاحي، حيث رأى أن التدريب الواقعي هو “عرض عملي للقدرة التشغيلية” التي يجب أن يمتلكها التحالف. ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه العلاقات اليابانية–الصينية توترًا متزايدًا، خصوصًا بعد تصريحات رئيسة الوزراء اليابانية تاكايتشي سناي في نوفمبر التي ألمحت إلى احتمال تدخل عسكري ياباني إذا هاجمت الصين تايوان. كما أن المناورات الصينية قرب تايوان في ديسمبر كانت تذكيرًا صريحًا بمدى التهديد الذي تمثله الصين، ليس لتايوان فقط، بل لليابان نفسها، وبالأخص جزرها الجنوبية الغربية.
هذا التوجه ليس جديدًا، لكنه يشهد تسارعًا ملموسًا. ففي 2023، تم نقل تمرين “Iron Fist” السنوي من الولايات المتحدة إلى جنوب غرب اليابان، وفي 2024 استخدمت القوات الأمريكية واليابانية رادارًا متحركًا على جزيرة يوناغوني، وهي أقرب جزيرة يابانية إلى تايوان، تبعد نحو 110 كيلومترات فقط. وفي 2025، شهدت التدريبات استخدام نظام NMESIS لأول مرة في المنطقة، وتم إنشاء نقطة تعبئة وتسليح أمامية على جزيرة يوناغوني، ما يعكس تحولًا واضحًا نحو تجهيز التحالف لسيناريوهات أكثر تعقيدًا.
من جانبها، تعمل اليابان على تعزيز قدراتها الذاتية في الجزر الجنوبية الغربية. ففي نوفمبر الماضي زار وزير الدفاع كويزومي قاعدة على جزيرة يوناغوني، وأكد خطط نشر صواريخ مضادة للطائرات من نوع Type 03 Chu-SAM بنسخة مطورة قادرة على اعتراض الصواريخ الجوالة، إضافة إلى بناء ملاجئ تحت الأرض على جزر مياكو وإيشigaki. كما أن اليابان قامت بتعزيز وجودها العسكري تدريجيًا منذ 2016، مع إنشاء وحدات مراقبة بحرية، ونشر ألوية دفاع جوي ووحدات حرب إلكترونية، فيما يخطط لنشر وحدة إلكترونية قادرة على تعطيل رادارات العدو في 2026.
لكن هذه التحركات ليست بلا معارضة محلية. سكان الجزر يخشون أن تتحول مناطقهم إلى ساحة نزاع، ويطالبون طوكيو بالتركيز على الحلول الدبلوماسية مع بكين. ورغم ذلك، تبدو طوكيو مستمرة في نهجها، إذ يرى القادة اليابانيون أن الأمن في مضيق تايوان لا يتحكمون فيه بشكل كامل، وأن التصعيد الصيني قد يضرب مباشرة حدود اليابان. ففي ديسمبر الماضي، تعرضت طائرات يابانية لاستهداف راداري من طائرات صينية فوق مياه دولية، كما شهدت المنطقة تحليق قاذفات استراتيجية صينية وروسية باتجاه طوكيو، بالإضافة إلى مرور طائرات صينية بين جزيرتي أوكيناوا ومياكو خلال مناورات تحيط بتايوان.
على مستوى الصناعة الدفاعية، خرجت من واشنطن أيضًا مؤشرات على توسيع التعاون الصناعي بين البلدين، شملت إنتاج صواريخ جو–جو واعتراضية أرض–جو، وصيانة وإصلاح سفن وطائرات أمريكية، فضلاً عن تعزيز مرونة سلاسل الإمداد للمعادن الحيوية. كما دفع كويزومي نحو عقد اجتماع جديد لـDICAS، وهو إطار للتعاون الصناعي الدفاعي بين اليابان والولايات المتحدة.
في النهاية، تظل جزر جنوب غرب اليابان نقطة حساسة في معادلة الأمن الإقليمي، فهي أقرب خط دفاع ياباني تجاه تايوان والصين، ومعها يزداد الاعتماد على التحالف مع واشنطن. لكن السؤال الأهم يبقى: هل ستنجح طوكيو في موازنة تعزيز الردع العسكري مع تخفيف العبء عن سكان الجزر، وتجنب دفع المنطقة إلى مواجهة مفتوحة؟



