الهند وألمانيا: علاقة استراتيجية تتعزّز وسط تحولات جيوسياسية

تشهد العلاقات الهندية الألمانية دفعة جديدة في ظل التحولات الجيوسياسية الحالية، التي جعلت أوروبا والهند يسعيان إلى تقوية روابطهما الاقتصادية والاستراتيجية لتخفيف الاعتماد على سلاسل توريد محددة، ومواجهة الضبابية التي يخلقها تصاعد الحمائية التجارية، خاصة من جانب الولايات المتحدة. زيارة المستشار الألماني فريدريش ميرتس للهند في يناير 2026 جاءت في توقيت حساس، إذ تأتي بعد نحو 15 شهرًا من زيارة سلفه أولاف شولتس، وتزامنت مع قرب إتمام مفاوضات اتفاق التجارة الحرة بين الهند والاتحاد الأوروبي، الذي يوصف بأنه “أمّ كل الاتفاقيات”.
تأتي هذه الزيارة أيضًا في سياق تغيّر ديناميكيات التجارة العالمية، حيث تواجه الهند عقوبات جمركية كبيرة في الولايات المتحدة قد تصل إلى 50% أو أكثر، بينما تسعى أوروبا إلى تنويع مصادرها وتقليل الاعتماد على سلاسل توريد مهددة بالاضطراب. لذلك كان من الطبيعي أن تكون ولاية غوجارات ومشهد “طيران الطائرات الورقية” مع رئيس الوزراء ناريندرا مودي، رمزًا للترحيب وتأكيدًا على أهمية الهند كشريك اقتصادي واستراتيجي لبرلين.
الزيارة حملت في طياتها إشارات واضحة إلى أن ألمانيا ليست فقط مهتمة بالسوق الهندية الكبيرة، بل تسعى أيضًا إلى الاستفادة من القدرات الهندية في التكنولوجيا والابتكار، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والتنقل المستدام. كما أن موضوع استقدام الكفاءات الهندية إلى ألمانيا لا يزال حاضرًا بقوة، إذ يعيش في ألمانيا أكثر من 137 ألف هندي مهني في مجالات تكنولوجيا المعلومات والعلوم والهندسة والقطاع الصحي.
في الجانب الدفاعي، يظهر أن هناك رغبة هندية متزايدة في تسريع التعاون مع ألمانيا، خصوصًا في ملف الغواصات المتقدمة، حيث تجرى مفاوضات مع شركة ThyssenKrupp Marine Systems لبناء ست غواصات في الهند، مع نقل تكنولوجيا كامل وبناء صناعة محلية. هذا الملف، إذا تم توقيعه، سيكون علامة فارقة في مسار التعاون الدفاعي بين البلدين، ويعكس رغبة الهند في تقليل اعتمادها على روسيا تدريجيًا، بينما تسعى ألمانيا لتوسيع نفوذها الصناعي في منطقة الهند والمحيط الهندي.
مع ذلك، تبقى نقطة الخلاف واضحة حول ملف روسيا، حيث ألمح ميرتس إلى أن تعزيز الإنتاج المشترك قد يقلل اعتماد الهند على موسكو، في حين حاول الجانب الهندي تجنب التصادم، مؤكدًا على “التقارب المتنامي” بين البلدين دون الدخول في تفاصيل الخلافات.
في النهاية، زيارة ميرتس تضع العلاقات الهندية الألمانية على مسار تصاعدي، لكنها أيضًا تبرز التحديات التي تواجهها: التوازن بين المصالح الاستراتيجية، وتباين الرؤى تجاه روسيا، والسباق لتأمين سلاسل توريد أكثر مرونة. وفي ظل التحولات العالمية، يبدو أن الهند وألمانيا تتجهان نحو بناء شراكة أكثر عمقًا، قد تشكل أحد أعمدة النظام العالمي القادم إذا نجحت في تحويل التصريحات إلى اتفاقات ملموسة وآليات تعاون ثابتة.



