تمكين المرأة: الاحتياجات الحقيقية بعيدًا عن الشعارات

المشاركة المجتمعية أساس النجاح وتمثيل فعّال لطموحات المرأة المصرية
بقلم: الدكتورة شيماء محسن عبد الحي
لم يعد تمكين المرأة قضية جديدة على الأجندة المجتمعية أو السياسية، لكنه لا يزال – في كثير من الأحيان – محاصرًا بالشعارات البراقة التي تفتقد العمق، وتُختزل في أرقام أو صور رمزية لا تعكس واقع المرأة ولا احتياجاتها الحقيقية. فالتمكين الحقيقي لا يبدأ من المنصات ولا ينتهي عند المؤتمرات، بل يتشكل في تفاصيل الحياة اليومية للمرأة المصرية، وفي قدرتها الفعلية على المشاركة والتأثير واتخاذ القرار داخل المجتمع.
إن المرأة لا تطالب بامتيازات استثنائية، بقدر ما تسعى إلى فرص عادلة تُمكنها من أداء دورها الطبيعي كشريك كامل في بناء الوطن. وهنا يبرز السؤال الجوهري: ما الذي تحتاجه المرأة فعليًا كي تكون فاعلة ومؤثرة، بعيدًا عن الخطاب الإنشائي؟
أول هذه الاحتياجات يتمثل في التمكين الاقتصادي الحقيقي. فالاستقلال المادي ليس رفاهية، بل هو أساس الكرامة والقدرة على الاختيار. لا يكفي الحديث عن دعم المرأة إذا ظلت فرص العمل غير المستقرة، وضعف الأجور، وغياب بيئات العمل الآمنة عوائق أساسية أمام مشاركتها. التمكين الاقتصادي يبدأ من سياسات واضحة تضمن تكافؤ الفرص، وتوفير التدريب المهني، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تقودها النساء، خاصة في المحافظات والمناطق الأكثر احتياجًا.
أما الاحتياج الثاني، فهو التمكين التعليمي والمعرفي، الذي يتجاوز مجرد إتاحة التعليم إلى جودة هذا التعليم وارتباطه بسوق العمل. فالمعرفة هي أداة القوة الأولى، والمرأة المتعلمة القادرة على التفكير النقدي والمشاركة في إنتاج المعرفة تصبح عنصرًا فاعلًا في المجتمع، لا تابعًا أو متلقيًا. كما أن الاستثمار في تعليم الفتيات هو استثمار طويل الأمد في الاستقرار الاجتماعي والتنمية المستدامة.
ولا يمكن الحديث عن تمكين دون التوقف عند المشاركة المجتمعية والسياسية، بوصفها حجر الأساس لأي نجاح حقيقي. المشاركة لا تعني الوجود الشكلي أو التمثيل العددي، بل تعني أن تكون المرأة جزءًا من دوائر صنع القرار، وصوتًا مسموعًا في القضايا التي تمس حياتها وحياة مجتمعها. عندما تشارك المرأة في المجالس المحلية، والنقابات، والمؤسسات الأهلية، فإنها تنقل همومًا واقعية، وتطرح حلولًا نابعة من تجربة معيشة، لا من تصورات نظرية.
وتأتي الثقافة المجتمعية كأحد أكبر التحديات أمام تمكين المرأة. فالقوانين وحدها لا تكفي إذا لم تُواكبها قناعة مجتمعية راسخة بدور المرأة وقدرتها. لا يزال الكثير من النساء يواجهن أحكامًا مسبقة تقلل من كفاءتهن، أو تحصر أدوارهن في قوالب تقليدية. تغيير هذه الثقافة يبدأ من الأسرة، ويمتد إلى المدرسة، والإعلام، والخطاب الديني، حيث يصبح احترام المرأة ودعم طموحها جزءًا من الوعي الجمعي، لا استثناءً يُحتفى به.
وفي هذا السياق، يلعب الإعلام دورًا محوريًا، فإما أن يكون شريكًا في التمكين، أو أداة لإعادة إنتاج الصور النمطية. تقديم نماذج نسائية ناجحة، واقعية، ومتنوعة، يعكس حقيقة المرأة المصرية وقدرتها على التميز في شتى المجالات: في الطب، والتعليم، والاقتصاد، والسياسة، والبحث العلمي، والعمل المجتمعي. فالقضية ليست في إبراز المرأة بوصفها “استثناءً”، بل بوصفها فاعلًا طبيعيًا في المشهد العام.
إن طموحات المرأة المصرية اليوم واضحة: تمثيل عادل، مشاركة فعّالة، وتأثير حقيقي في صياغة مستقبل المجتمع. وهي طموحات لا تنفصل عن طموحات الوطن نفسه. فمجتمع يُقصي نصف طاقته لا يمكنه تحقيق تنمية شاملة أو عدالة مستدامة.
في النهاية، تمكين المرأة ليس شعارًا يُرفع، بل عملية متكاملة تبدأ بالاعتراف باحتياجاتها الحقيقية، وتترسخ بالمشاركة المجتمعية، وتُقاس بمدى تأثيرها الفعلي في مختلف مجالات الحياة. وعندما تحصل المرأة على المساحة التي تستحقها، فإن المكسب لا يكون لها وحدها، بل للمجتمع بأسره.
اقراء أيضاً:
اليابان وكوريا الجنوبية: تنافس محسوب وتعاون تفرضه الجغرافيا والسياسة



