الجارديان البريطانية: هل يجب أن نبيع كليتنا؟

في المملكة المتحدة وحدها، ينتظر نحو 7 آلاف شخص زراعة كلى، بينما لا تُجرى سوى حوالي 3,302 عملية سنويًا. كثير من هؤلاء المرضى يموتون قبل أن يحين دورهم، بينما يضطر آخرون إلى الاعتماد على غسيل الكلى مدى الحياة. هذا الواقع يطرح سؤالًا صادمًا: لماذا لا نسمح بدفع مقابل تبرع الكلى؟ في إيران، تُباع الكلى قانونيًا منذ 1988، ولا توجد قوائم انتظار، وهو ما يثير جدلاً أخلاقيًا وسياسيًا واسعًا. فهل يمكن أن يكون هذا النموذج حلاً عمليًا لإنقاذ حياة آلاف المرضى؟ أم أن العوائق النفسية والسياسية تجعل من ذلك مستحيلًا؟
الأزمة الحقيقية: نقص الكلى لا يُحلّ بالعاطفة وحدها
يعتمد نظام التبرع في أغلب دول العالم على الإيثار، وهو أمر محدود بطبيعته. لا يمكن انتظار أن يتبرع الناس بكلى “من دون مقابل” بكميات تكفي احتياجات المرضى. حتى لو كانت فكرة التبرع فكرة إنسانية، فإن الإحصاءات تظهر أن النتيجة هي قوائم انتظار طويلة وموت أسبوعي لستة أشخاص في بريطانيا وحدها.
إيران: الدولة الوحيدة التي حلّت المشكلة ببيع الكلى
إيران هي الاستثناء الوحيد في العالم. منذ 1988، تسمح الدولة بشراء الكلى، ويتراوح السعر عادةً حول 5 آلاف دولار، وتفرض الحكومة سقفًا سعريًا وتعدله سنويًا وفق التضخم. الفارق الشاسع مع السوق السوداء، حيث يمكن أن يصل السعر إلى 120 ألف دولار، يظهر كيف أن تنظيم الدولة يقي من الاستغلال ويفرض رقابة على العملية.
هل “البيع” استغلال للفقراء؟
أحد أبرز الاعتراضات هو أن الفقراء سيُستغلون لأنهم بحاجة للمال. لكن هذا الاعتراض يتجاهل أن من يُحمي الفقراء فعليًا هو تحسين ظروفهم الاقتصادية، وليس منعهم من الحصول على المال. كما أن وجود سوق منظم يعني أن الحل الصحيح ليس الحظر، بل تنظيم قوي يضمن حماية المتبرعين وحقوقهم، وهو ما تُظهره التجربة الإيرانية.
هل هناك قداسة في الجسم؟
يُستخدم الاعتراض الديني والأخلاقي بأن الجسد “مقدس” ولا ينبغي تداوله كسلعة. لكن هذا المبدأ يختلف بين الناس: من يراه مقدسًا لا يجب أن يفرضه على من لا يشاركه نفس المعتقد. خصوصًا عندما تكون حياة آلاف المرضى على المحك.
هل الحكومة لها الحق في التحكم؟
المنطق يقول: إذا كان مسموحًا بالتبرع بالمجان، فلماذا يُمنع التبرع مقابل المال؟ المشكلة ليست في الفكرة بحد ذاتها، بل في رفض الدولة لخيارات الأفراد. غالبًا ما يُستند الاعتراض إلى “الشعور” بأن بيع الأعضاء “مقزز” أو غير أخلاقي. لكن المشاعر تتغير عبر الزمن والثقافات، كما حدث مع مهن كثيرة كانت تُعد غير أخلاقية في الماضي، ثم أصبحت مقبولة اليوم.
الخلاصة: هل نختار الحياة أم الأخلاق؟
المسألة ليست مجرد شعور بالاشمئزاز، بل حياة أو موت. هل يُعقل أن نرفض قانونًا ما يمكن أن ينقذ آلاف الأرواح بسبب “إحساس غير مريح”؟ هذا سؤال أخلاقي بامتياز، لكن الأكثر تعقيدًا هو البعد السياسي: هل يمكن في دولة ديمقراطية أن تُقرّ مثل هذه السياسة؟ إذا كانت الإجابة لا إلا عبر سلطوية الدولة، فهنا تكمن المشكلة الحقيقية.



