اليابان وكوريا الجنوبية: تنافس محسوب وتعاون تفرضه الجغرافيا والسياسة

في عالم دولي يتسم بتصاعد الاستقطاب واضطراب التحالفات، تبدو العلاقات بين اليابان وكوريا الجنوبية وكأنها تسير على حبل مشدود بين التنافس التاريخي والتعاون البراغماتي. القمة الأخيرة التي جمعت الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي-ميونغ ورئيسة الوزراء اليابانية تاكايتشي ساناي في مدينة نارا اليابانية لم تكن قمة أزمات بقدر ما كانت محطة لإعادة ضبط الإيقاع بين جارين يواجهان ضغوطًا إقليمية ودولية متزايدة، من الصين إلى كوريا الشمالية، ومن واشنطن إلى موسكو.
القمة، وهي الأولى المستقلة بين الزعيمين بعيدًا عن هامش المؤتمرات الدولية، جرت في أجواء ودية نسبيًا، لكنها لم تكن بعيدة عن الحسابات الكبرى. فقد جاءت في توقيت حساس تشهد فيه العلاقات اليابانية الصينية توترًا متصاعدًا، على خلفية تصريحات يابانية تعتبر قضية تايوان تهديدًا مباشرًا للأمن القومي، وهو ما ردت عليه بكين بإجراءات وُصفت بأنها «دبلوماسية إكراه اقتصادي»، شملت تقييد السياحة والصادرات الاستراتيجية.
في المقابل، حاولت سيول الحفاظ على توازن دقيق. فالرئيس لي، الذي زار الصين مؤخرًا وعقد قمة مع الرئيس شي جين بينغ، بعث برسالة مزدوجة مفادها أن علاقات بلاده مع طوكيو لا تقل أهمية عن علاقاتها مع بكين. هذا الموقف يعكس نهجًا كوريًا جنوبيًا يسعى إلى تعظيم المصالح الوطنية دون الانحياز الكامل لأي طرف، في ظل بيئة إقليمية معقدة لا تسمح بخيارات صفرية.
اليابان من جهتها رأت في هذا النهج الكوري فرصة وليس تهديدًا. إذ اتفق الجانبان على فتح نقاشات أعمق حول الأمن الاقتصادي، في ظل إدراك متزايد بأن سياسات الضغط الصينية قد لا تقتصر على طوكيو وحدها. وتستحضر سيول هنا تجربتها القاسية عام 2016، حين تعرضت لعقوبات غير معلنة بسبب نشر منظومة الدفاع الصاروخي الأمريكية «ثاد».
ورغم هذا التقارب، لم تُخفِ القمة تباين الرؤى. ففي البيان المشترك، شددت اليابان على إطار التعاون الثلاثي مع الولايات المتحدة واستخدمت مصطلح «نزع السلاح النووي لكوريا الشمالية»، بينما فضلت كوريا الجنوبية الحديث عن «نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية» ضمن إطار ثلاثي يضم الصين أيضًا. هذا الاختلاف اللغوي يعكس تباينًا أعمق في مقاربة البلدين لكل من بكين وبيونغ يانغ.
وتزداد الصورة تعقيدًا مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وسط مؤشرات على أن واشنطن قد تفضل الصفقات الكبرى مع الصين على حساب الالتزامات التقليدية تجاه الحلفاء، فضلًا عن تركيز متزايد على نصف الكرة الغربي. بالنسبة لطوكيو وسيول، يطرح هذا التحول سؤالًا استراتيجيًا صعبًا حول مدى الاعتماد المستقبلي على المظلة الأمريكية.
في ظل هذه المعطيات، يتبلور إدراك متبادل لدى اليابان وكوريا الجنوبية بأنهما، رغم الخلافات، الشريكان الأكثر قابلية للتنبؤ في محيط مضطرب. فالتقارب في القدرات والقيم والتحديات يجعل من التنافس بينهما تنافسًا قابلًا للإدارة، ومن التعاون ضرورة لا خيارًا. قمة نارا لم تُنهِ الخلافات، لكنها أكدت أن العلاقة بين البلدين تدخل مرحلة جديدة، عنوانها الأساسي: التعاون دون أوهام، والتنافس دون قطيعة.
اقراء أيضاً:
رويترز: الذهب يقترب من 5000 دولار مع ضعف الدولار وتوترات جيوسياسية متصاعدة



