مينيسوتا ترسم الخط الأحمر: صدمة أمريكية تهز إدارة ترامب وتكشف حدود القوة
لم تكن الأحداث الدامية التي شهدتها ولاية مينيسوتا مجرد فصل عابر في الجدل الأمريكي حول الهجرة، بل شكلت لحظة فاصلة كشفت عمق التصدع داخل المجتمع الأمريكي وحدود ما يمكن أن تتحمله الديمقراطية الأمريكية في عهد دونالد ترامب. مقتل اثنين من المتظاهرين على يد عناصر من وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية ICE فجّر موجة غضب غير مسبوقة، تجاوزت الانقسام الحزبي التقليدي، ودفعت الإدارة إلى تراجع تكتيكي لا يخفي حجم الضرر الذي لحق بالثقة العامة وبصورة الدولة نفسها.
ICE من جهاز إنفاذ إلى قوة شبه عسكرية
أظهرت الوقائع في مينيسوتا ممارسات صادمة لعناصر ICE، من اقتحام منازل خاصة وتحطيم نوافذ السيارات، إلى تنفيذ اعتقالات تحت تهديد السلاح بحق أشخاص لم تثبت إدانتهم بأي جريمة. استخدام الغاز المسيل للدموع ورذاذ الفلفل ضد متظاهرين يوثقون الأحداث بهواتفهم عزز الانطباع بأن الوكالة تحولت إلى قوة شبه عسكرية، لا جهازًا مدنيًا خاضعًا لسيادة القانون.
ضحيتان فجرتا الغضب الشعبي
مقتل رينيه غود، وهي أم لثلاثة أطفال، برصاصة في الرأس أثناء محاولتها الابتعاد بسيارتها عن عناصر فدراليين، ثم مقتل الممرض أليكس بريتي أثناء محاولته مساعدة متظاهرين تعرضوا للرش بالغاز، شكّل لحظة صادمة للرأي العام. ورغم محاولات البيت الأبيض تبرير ما جرى ووصم بريتي بـ“الإرهابي المحلي”، كشفت مقاطع الفيديو تناقض الرواية الرسمية وأشعلت غضبًا واسعًا ضد الإدارة.
انهيار الثقة حتى داخل المعسكر المحافظ
لم يقتصر الغضب على الليبراليين والديمقراطيين، بل امتد إلى قطاعات محافظة رأت في ما حدث انتهاكًا صارخًا لحقوق أساسية، على رأسها حرمة المنازل وحق حمل السلاح. تسريب مذكرة داخلية تجيز لعناصر ICE دخول المنازل دون إذن قضائي، وتصريحات مسؤولين حول “حصانة مطلقة” للعناصر الفدرالية، أثارت مخاوف جدية من تآكل سيادة القانون، بل دفعت حتى الجمعية الوطنية للبنادق NRA إلى توجيه انتقادات نادرة لإدارة جمهورية.
تحول في المزاج العام وضغط سياسي متصاعد
أظهرت استطلاعات الرأي، للمرة الأولى، أن نسبة معتبرة من الأمريكيين باتت تؤيد حل وكالة ICE، بينما يرى أغلبهم أن ممارساتها في مينيسوتا كانت مفرطة في العنف. ثلاثة رؤساء ديمقراطيين سابقين أحياء أدانوا ما جرى، فيما يسعى الديمقراطيون في الكونغرس إلى عرقلة أي تمويل إضافي لتوسيع صلاحيات الوكالة، في مؤشر على أن القضية تجاوزت الإطار المحلي.
تراجع تكتيكي لا يمحو الضرر
أجبرت الضغوط الإدارة على استبدال قائد ICE المتشدد غريغوري بوفينو وتخفيض الوجود الفدرالي في مينيسوتا، إلا أن هذا التراجع يبقى محدودًا. الضرر الذي لحق بالثقة العامة وبأرواح المدنيين لا يمكن إصلاحه سريعًا، كما أن الإدارة قد تلجأ إلى تكرار الأسلوب ذاته في ولايات أخرى ما لم يتدخل الكونغرس بفرض قيود صارمة. ورغم تمسك القاعدة الصلبة لترامب بولائها، كشفت الأزمة أن هناك خطوطًا حمراء داخل المجتمع الأمريكي، وأن جزءًا متزايدًا من الأمريكيين مستعد للدفاع عنها.



