فايننشال تايمز: الاتحاد الأوروبي يطرح قواعد “اشترِ أوروبيًا”.. حماية صناعية أم خطف للفرص؟

يستعد الاتحاد الأوروبي لطرح مقترح طموح ضمن ما يعرف بـ “قواعد اشترِ أوروبيًا”، التي تهدف إلى تشجيع استخدام المكونات الأوروبية في الصناعات الاستراتيجية مثل السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة والدفاع، لضمان استفادة التصنيع المحلي من الدعم الحكومي وحماية الوظائف. تأتي هذه الخطوة في ظل مخاوف من تآكل قاعدة التصنيع الأوروبية نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والمنافسة الشرسة من الصين وآسيا الجنوبية، بالإضافة إلى سياسات الولايات المتحدة المتقلبة في التجارة. في الوقت نفسه، أثار المقترح جدلًا واسعًا بين الدول الأعضاء وشركاء الاتحاد التجاريين حول ما إذا كان هذا التوجّه خطوة واقعية نحو السيادة الصناعية أم حماية مفرطة قد تعرقل الاستثمار والمنافسة.
سعي للسيادة الصناعية وسط منافسة عالمية
تستهدف المبادرة الأوروبية زيادة حصة التصنيع المحلي في الاقتصاد لتصل إلى 20% بحلول 2030، مقارنة بنحو 16% اليوم، عبر ربط الدعم الحكومي بنسبة محددة من المكونات “صنع في أوروبا”. ويعكس هذا التوجه رغبة الاتحاد في حماية الصناعات الحيوية من الاعتماد المفرط على الصين وآسيا، وضمان أمن سلسلة التوريد في مجالات استراتيجية مثل البطاريات والسيارات الكهربائية والطاقة النظيفة. ويشير مؤيدو المقترح إلى أن دول مثل الصين والولايات المتحدة وكندا تطبق سياسات مماثلة لحماية صناعاتها، مما يجعل أوروبا في موقع ضعيف إذا لم تتصرف.

اختلاف الرؤى بين الدول الأعضاء
تظهر الانقسامات جغرافية وصناعية واضحة داخل الاتحاد الأوروبي حول كيفية تطبيق هذه القواعد. تدعم فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وهولندا التوجه نحو تعزيز “الأولوية الأوروبية” لتأمين الوظائف المحلية، بينما تحذر ألمانيا والسويد والدنمارك من فرض شروط صارمة قد تعرقل الاستثمار الأجنبي وتزيد التكاليف. ويتعلق الخلاف الرئيسي بتحديد ما يعنيه “صنع في أوروبا”، أي الدول المسموح تضمينها، وكمية المحتوى المحلي المطلوبة للاستفادة من الدعم.
ردود فعل الشركات والمخاطر الاقتصادية
تنقسم الشركات الأوروبية حول المقترح: بعض الشركات ترى فيه فرصة لإعادة توطين الإنتاج وتشجيع الابتكار المحلي، بينما يحذر آخرون من ارتفاع التكاليف وفقدان القدرة على المنافسة العالمية. على سبيل المثال، إنتاج البطاريات في أوروبا قد يكلف أكثر بنسبة تصل إلى 60% مقارنة بالصين، رغم أن الزيادة في سعر المنتج النهائي قد تكون محدودة. ويشير خبراء إلى أن الهدف يجب أن يكون دقيقًا واستراتيجيًا لتجنب زيادة التكاليف وفقدان المرونة في سلاسل التوريد.

التأثيرات المحتملة على التجارة العالمية
تحذر بعض الدول والشركاء التجاريين من أن قواعد “اشترِ أوروبيًا” قد تثير توترات تجارية، خاصة مع اليابان والولايات المتحدة، وقد تؤدي إلى عقوبات أو حرب رسوم جمركية إذا شعروا بالتمييز ضد منتجاتهم. كما قد تتعارض هذه الإجراءات مع اتفاقيات التجارة الحرة الحالية والمستقبلية للاتحاد الأوروبي، بما في ذلك اتفاقيات مع دول مثل ميركوسور والهند، ما يفرض على بروكسل تحقيق توازن بين حماية الصناعة المحلية والانفتاح على الأسواق العالمية.

التحدي طويل الأمد لتحقيق استقلالية صناعية
رغم التحديات والجدل، يرى مؤيدو المبادرة أن تعزيز الإنتاج المحلي في القطاعات الاستراتيجية أمر حتمي لمواجهة صدمات الطاقة والتقلبات الاقتصادية والجيوسياسية. ويؤكد خبراء أن الاستثمار المستهدف في الصناعة الأوروبية، حتى لو كان مكلفًا على المدى القصير، سيؤدي إلى تعزيز الأمن الاقتصادي والاستراتيجي للاتحاد على المدى الطويل، ويضمن استمرار أوروبا في المنافسة العالمية في الصناعات الحيوية والمستقبلية.




