سياسات ترامب تُربك السياحة الأمريكية.. تراجع الزوار الدوليين وخسائر بمليارات الدولارات تهدد قطاع السفر

شهد قطاع السياحة في الولايات المتحدة تراجعًا ملحوظًا خلال العام الأول من الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في ظل تشديد سياسات الهجرة وتصاعد الإجراءات الأمنية وفرض الرسوم الجمركية العالمية، وهو ما انعكس سلبًا على تدفقات السياح الأجانب. وبينما سجلت حركة السفر الدولية عالميًا نموًا ملحوظًا خلال عام 2025، بدت الولايات المتحدة استثناءً واضحًا، حيث بدأت تفقد حصتها من سوق السياحة العالمية، وسط تحذيرات من خسائر اقتصادية واسعة قد تمتد آثارها لسنوات قادمة. وتشير بيانات رسمية وتقارير اقتصادية إلى أن السياسات السياسية والاقتصادية المتشددة لعبت دورًا رئيسيًا في عزوف المسافرين عن زيارة البلاد، ما يثير مخاوف بشأن مستقبل قطاع السياحة الذي يعد أحد الركائز الحيوية للاقتصاد الأمريكي.
تراجع غير مسبوق في أعداد الزوار الدوليين
أظهرت بيانات إدارة التجارة الدولية الأمريكية انخفاض عدد الزوار الأجانب إلى الولايات المتحدة بنسبة 4.2% خلال عام 2025، في أول تراجع سنوي منذ جائحة كورونا. ويأتي هذا التراجع في وقت شهدت فيه حركة السفر الدولية حول العالم نموًا بنحو 4% وفق تقديرات منظمة السياحة التابعة للأمم المتحدة، ما يعكس تراجع تنافسية الولايات المتحدة كوجهة سياحية عالمية. ويرى خبراء قطاع السفر أن هذا الانخفاض يُعد مؤشرًا مقلقًا على فقدان الولايات المتحدة جاذبيتها السياحية، خاصة في ظل المنافسة المتزايدة من وجهات أخرى تسعى إلى تسهيل إجراءات السفر واستقطاب السياح عبر سياسات أكثر انفتاحًا.
خسائر اقتصادية ضخمة تهدد سوق العمل
أكدت جمعية السفر الأمريكية أن التراجع في أعداد السياح الدوليين تسبب في خسارة نحو 11 مليون زائر أجنبي خلال عام واحد فقط، ما أدى إلى فقدان إنفاق سياحي يقدر بنحو 50 مليار دولار. ويشير خبراء الاقتصاد إلى أن كل نقطة مئوية من التراجع في أعداد السياح قد تعني خسائر بمليارات الدولارات وتهديد مئات الآلاف من فرص العمل المرتبطة بقطاع السياحة والضيافة والطيران. ويعكس هذا التراجع حجم الاعتماد الكبير للاقتصاد الأمريكي على السياحة الدولية، خاصة في المدن التي تعتمد على الإنفاق السياحي كمصدر رئيسي للنمو الاقتصادي.
تشديد سياسات الهجرة والتأشيرات يحد من السفر
اتخذت إدارة ترامب خلال العام الماضي سلسلة من الإجراءات التي جعلت دخول الولايات المتحدة أكثر تعقيدًا بالنسبة للمسافرين الأجانب، إذ تم حظر دخول مواطنين من أكثر من 12 دولة لأسباب أمنية، إضافة إلى تعليق إصدار التأشيرات لنحو 75 دولة من بينها البرازيل وتايلاند. كما زادت السلطات الأمريكية من التدقيق في حسابات وسائل التواصل الاجتماعي للمسافرين المحتملين، وارتفعت عمليات تفتيش الأجهزة الإلكترونية على الحدود بنسبة 18% خلال العام المالي 2025، مع مقترحات لإجبار المسافرين من عشرات الدول على تقديم سجل نشاطاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي لمدة خمس سنوات، وهي إجراءات يرى مراقبون أنها عززت المخاوف لدى المسافرين بشأن الخصوصية وسهولة الدخول إلى البلاد.
توتر العلاقات السياسية يقلص تدفقات السياح
أدت سياسات ترامب تجاه الحلفاء التقليديين، إضافة إلى خطاباته المتشددة بشأن الهجرة، إلى تراجع رغبة الكثير من المسافرين في زيارة الولايات المتحدة. وتشير تقارير اقتصادية إلى أن البلاد بدأت تفقد حصتها السوقية مع تراجع العلاقة بين السفر والتبادل التجاري، في نمط يشبه ما شهدته بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي. وكان التراجع أكثر وضوحًا لدى السياح الكنديين الذين انخفضت زياراتهم بنسبة 10.2%، حيث ألغى العديد منهم رحلاتهم بسبب التوترات السياسية، بينما أظهرت البيانات انخفاض أعداد الزوار من أوروبا والشرق الأوسط بنسب تجاوزت 3%، ما يعكس تأثير المناخ السياسي على قرارات السفر.
انعكاسات سلبية على الفنادق وشركات الطيران والترفيه
أدى تراجع السياحة الدولية إلى ضغوط كبيرة على قطاع الفنادق الأمريكي، حيث سجلت إيرادات الغرف المتاحة انخفاضًا لأول مرة منذ جائحة كورونا، واستمر التراجع شهريًا منذ إعلان الرسوم الجمركية الواسعة التي فرضتها الإدارة الأمريكية. كما تأثرت شركات الطيران الأوروبية بتراجع حركة السفر إلى أمريكا الشمالية، رغم محاولات بعض الشركات التقليل من حجم التأثير. وفي السياق نفسه، حذرت شركة ديزني من احتمال انخفاض أعداد الزوار الدوليين لمنتزهاتها الترفيهية في الولايات المتحدة، متوقعة نموًا محدودًا في قطاع التجارب الترفيهية خلال الفترة المقبلة.
كأس العالم 2026.. فرصة إنقاذ محتملة وسط مخاوف مستمرة
يعوّل خبراء السياحة على بطولة كأس العالم 2026 التي ستستضيفها الولايات المتحدة إلى جانب كندا والمكسيك، باعتبارها فرصة لتعزيز تدفقات السياحة وتحسين صورة البلاد عالميًا. ويتوقع اتحاد السفر الأمريكي ارتفاع أعداد الزوار الدوليين بنسبة 3.7% خلال العام الجاري بفضل البطولة، إلا أن بعض المحللين يحذرون من أن الطلب قد يظل ضعيفًا نسبيًا، خاصة في ظل دعوات لمقاطعة البطولة بسبب الانتقادات الموجهة لسياسات الهجرة الأمريكية. ويرى خبراء أن نجاح البطولة قد يشكل فرصة دعائية ضخمة للولايات المتحدة، لكن أي صورة سلبية قد تترك آثارًا طويلة الأمد على قطاع السياحة الأمريكي.

إقرأ أيضا:
الجارديان البريطانية: الاقتصاد الروسي يدخل مرحلة الركود.. هل تهتز آلة الحرب أم ينجح بوتين في الصمود؟



