من زنازين الأسر إلى قاعات القيادة: كيف تحوّلت السجون الإسرائيلية إلى «جامعة» لتخريج قادة فلسطينيين؟

في مشهدٍ أعاد للأذهان سنوات طويلة من المعاناة، تحرّكت هذا الأسبوع حافلات الأسرى من السجون الإسرائيلية نحو أطلال غزة، وسط أجواء احتفالية غامرة في القطاع. بالنسبة إلى حركة حماس، كان المشهد تجسيدًا لوعدها بتحرير الأسرى وتكريمًا لتضحياتهم. أما في نظر إسرائيل، فكانت الحافلات محمّلة بـ«إرهابيين» وفق وصفها الرسمي. لكنّ هذه الرحلة تتجاوز معناها الرمزي لتعبّر عن بُعد أعمق: فالسجون الإسرائيلية لم تعد مجرد أماكن للاعتقال، بل تحوّلت إلى ساحات تبلور وعيٍ سياسي، ومصنعٍ يعيد تشكيل قادة المستقبل في المشهد الفلسطيني المتحوّل.
مقايضات تُنتج أزمات: تاريخ التبادل وخلق «سوق» للرهائن
منذ ثمانينيات القرن الماضي، خاضت إسرائيل عشرات صفقات تبادل الأسرى، أطلقت خلالها آلاف الفلسطينيين مقابل أعداد محدودة من الرهائن الإسرائيليين. تشير التقديرات إلى أن أكثر من 8,500 أسير فلسطيني أُفرج عنهم مقابل أقل من 20 رهينة على قيد الحياة، ما خلق معادلة غير متكافئة أفرزت نتائج خطيرة. فمع مرور الوقت، أصبح خطف الجنود والمستوطنين وسيلة ضغط فعالة بيد الفصائل، لتتشكل ما يشبه «السوق السوداء» للرهائن، حيث تتحول حياة البشر إلى أرقام في ميزان المقايضة، بما يعكس جانبًا قاسيًا من منطق الصراع الذي لا يتوقف.
السجن كمختبر سياسي: من العزلة إلى «جامعة هداريم»
في عمق المعتقلات الإسرائيلية، تتلاقى تيارات فكرية وسياسية متناقضة داخل بيئة قهرٍ واحدة. هنا، يجتمع الإسلاميون من حماس، والوطنيون من فتح، واليساريون من الجبهة الشعبية، فيتحوّل السجن إلى ساحة حوار وتثقيف. أطلق الأسرى على هذه الظاهرة اسم «جامعة هداريم» تيمّنًا بأحد السجون التي تضم برنامجًا أكاديميًا رسميًا داخلها. بين الجدران الضيقة، تُكتب رسائل فكرية، وتُناقش قضايا المصير والمستقبل، ويتعلّم الشباب كيف تتحوّل المعاناة إلى وعيٍ سياسي، وكيف يُصاغ مشروع مقاومةٍ أكثر تنظيمًا واستمرارية، رغم محاولات العزل والردع التي تفرضها إدارة السجون.
من الزنزانة إلى القيادة: وجوه صنعتها المعاناة
تحوّلت السجون الإسرائيلية إلى نقطة انطلاق لمسيرة شخصيات بارزة تركت بصمتها على المشهد الفلسطيني. الشيخ أحمد ياسين، مؤسس حركة حماس، خرج من السجن رمزًا لمرحلة كاملة، بينما مثّل يحيى السنوار نموذجًا آخر بعد إطلاق سراحه ضمن صفقة شاليط عام 2011 ليصبح أحد أبرز قادة الحركة. كذلك، برز اسم زكريا زبيدي الذي تحوّل إلى رمز بعد هروبه من سجن جلبوع. هؤلاء وغيرهم أثبتوا أن السجن لا يوقف المسيرة بل قد يصقلها، إذ يحوّل المعاناة الفردية إلى طاقة جماعية قادرة على تغيير موازين القوى داخل المجتمع الفلسطيني.

هواجس إسرائيلية: بين الأمن والسياسة
إطلاق سراح الأسرى ذوي التصنيف الأمني العالي يثير قلقًا متزايدًا داخل الأوساط الأمنية والسياسية الإسرائيلية، إذ تخشى تل أبيب من عودة بعضهم إلى ممارسة أدوار قيادية أو عمليات ميدانية. أسماء مثل عبد الناصر عيسى تُطرح كنماذج لأسرى تحوّلوا داخل السجن إلى رموز مؤثرة تلهم الأجيال الجديدة. تحذيرات متكررة تصدر عن مسؤولين سابقين في جهاز «الشاباك»، تؤكد أن إطلاق سراح هؤلاء يهدد بتجدد دوائر العنف، ويقوّض ما تسميه إسرائيل بسياسة الردع. ومع كل صفقة جديدة، يتجدد النقاش حول الثمن الأمني والسياسي لمعادلة الحرية مقابل الخطر.

السجن.. مدرسة قاسية للحياة والنضال
وراء الأسماء اللامعة، يعيش آلاف الأسرى الفلسطينيين في ظروف قاسية تمتد من الإهمال الطبي إلى العزل الانفرادي. كثيرون منهم شبّان اعتُقلوا لمشاركتهم في احتجاجات أو بسبب منشورات على وسائل التواصل، لا يسعون إلى البطولة بل إلى النجاة. تقارير حقوقية فلسطينية ودولية توثّق تدهورًا خطيرًا في ظروف الاحتجاز وارتفاعًا في عدد الوفيات، خاصة منذ اندلاع الحرب الأخيرة. داخل الزنازين، يتشبّث السجناء بأملٍ صغير في الإفراج، لكنّهم يدركون أن حريتهم الفردية لا تنفصل عن مصير شعبٍ يعيش أسرًا جماعيًا مستمرًا منذ عقود طويلة.

بين الحرية والإعادة إلى الدائرة
لم تعد السجون الإسرائيلية مجرد أماكن للردع والعقاب، بل تحوّلت إلى مختبر اجتماعي وسياسي يُنتج قادة ومفكرين ومخططين للمستقبل. ومع كل صفقة تبادل، تجد إسرائيل نفسها أمام معضلة مزدوجة: فهي تحقّق مكسبًا إنسانيًا بإعادة رهائنها، لكنها في الوقت ذاته تُعيد إلى الميدان شخصيات أكثر صلابة وتنظيمًا. وهكذا، يتواصل الصراع بين قيدٍ يلد حريةً، وحريةٍ تُعيد إنتاج القيد ذاته. وبين الجدران التي أرادتها إسرائيل رمادًا للأمل، لا يزال الفلسطينيون يصنعون من ظلالها بوصلةً للكرامة لا تنكسر.



