نيويورك تايمز: هيجسِث يعيد تشكيل القيادة العسكرية الأمريكية بقرارات مفاجئة
حملة إقالات غير مسبوقة في تاريخ البنتاغون الحديث
في خطوة وصفت بأنها الأكبر من نوعها منذ عقود، أقال وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسِث (Pete Hegseth) أو جمّد ترقيات أكثر من عشرين جنرالًا وأدميرالًا خلال الأشهر التسعة الأخيرة، في قرارات فاجأت المؤسسة العسكرية وأثارت مخاوف من “تسييس” الجيش الأمريكي.
Officials say Hegseth’s sweeping dismissals have rattled the top brass and created deep unease across the ranks.
ورغم أن تغييرات القيادة العليا أمر معتاد مع أي إدارة جديدة، إلا أن حجم الإقالات، وسرعة تنفيذها، وغموض دوافعها، جعلها تبدو كما وصفها بعض أعضاء الكونغرس “تطهيرًا سياسيًا” أكثر من كونها إعادة هيكلة تنظيمية.

قرارات بلا تبرير واضح
ذكرت مصادر عسكرية رفيعة أن القرارات جاءت دون تفسيرات رسمية، وغالبًا ما خالفت توصيات قادة الأركان والقيادات الميدانية.
وتحدث عشرون ضابطًا حاليًا وسابقًا إلى صحيفة نيويورك تايمز، مؤكدين أن الخطوات المفاجئة لهيجسِث خلقت مناخًا من القلق والريبة داخل صفوف القادة الكبار، وأجبرت بعضهم على اتخاذ مواقف سياسية واضحة لحماية مواقعهم.
أحد الضباط قال: “لم يعد الأمر يتعلق بالكفاءة العسكرية، بل بولائك لمن في البيت الأبيض.”

استهداف شخصيات خدمت مع مارك ميلي
أبرز من طالتهم قرارات هيجسِث كانوا ضباطًا خدموا سابقًا مع الجنرال مارك ميلي، الرئيس الأسبق لهيئة الأركان المشتركة، الذي طالما اتهمه الرئيس ترامب بالخيانة.
من بينهم اللواء جيمس باتريك وورك (James Patrick Work)، أحد أكثر ضباط الجيش خبرة قتالية، والذي كان على وشك تسلّم منصب نائب قائد القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM).
ورغم دعمه الواسع داخل الجيش، بقي وورك “معلقًا بين السماء والأرض”، بعد أن جُمّدت ترقيته بسبب ارتباطه السابق بميلي.

الإطاحة بقادة بارزين في البحرية والقوات الخاصة
شملت حملة الوزير أيضًا قادة دعموا مبادرات التنوع والشمولية داخل المؤسسة العسكرية، وهي سياسات كانت تُعتمد منذ إدارة أوباما.
فقد أقال الأدميرال ميلتون ساندرز، قائد قوات Navy SEALs، بعد أن سمح بإدخال مدربات نساء إلى برامج التدريب القتالي، في خطوة اعتبرها هيجسِث “خروجًا عن ethos المحارب”.
كما تمت إزاحة الأدميرال ألفين هولسي، قائد القيادة الجنوبية الأمريكية (SOUTHCOM)، بعد أن شكك في مشروعية ضربات بحرية في البحر الكاريبي قُتل فيها مدنيون بزعم أنهم مهربو مخدرات.
وأُجبر الجنرال جيفري كروز (Jeffrey Kruse)، رئيس وكالة الاستخبارات الدفاعية (DIA)، على التنحي بعد أن قدّرت وكالته أن الغارات الأمريكية على إيران في يونيو لم “تُدمر البرنامج النووي الإيراني” كما أعلن ترامب.

شعار “الوحدة” مقابل واقع الانقسام
في جولاته العلنية، يكرر هيجسِث أن “الوحدة هي مصدر القوة”، مشيرًا إلى أن الجيش الأمريكي يجب أن يكون “مؤمنًا بمهمة واحدة وروح واحدة”.
لكن مسؤولين في البنتاغون يرون أن خطواته تقوّض تلك الوحدة عبر بثّ رسائل سياسية داخل المؤسسة العسكرية التي طالما نُظر إليها على أنها محايدة.
وقد أكد متحدث البنتاغون، شون بارنيل، أن “الجيش لم يكن أكثر وحدة من الآن”، مشيدًا بجهود الوزير في “تفكيك أجندة التنوع” التي وصفها بأنها “إرث ليبرالي مضرّ”.
إلا أن خبراء مثل كوري شاكِه، التي خدمت في مجلس الأمن القومي بإدارة جورج بوش الابن، حذّروا من أن الإدارة الحالية “تهدر ثروة من الخبرات والقيادات التي لا يمكن تعويضها”.


ردود فعل غاضبة في الكونغرس
وصفت السيناتورة الديمقراطية إليسا سلوتكن قرارات هيجسِث بأنها “تشبه ما يحدث في الأنظمة السلطوية مثل الصين أو العراق”، معتبرة أن التطهير السياسي للجيش يمثل تهديدًا خطيرًا للديمقراطية الأمريكية.
كما حذّر النائب جيسون كرو، وهو جندي سابق في القوات الخاصة، من أن “الرسالة الموجّهة إلى الجنود الصغار اليوم تقول إن الولاء السياسي أهم من الشجاعة العسكرية، وهذه رسالة خطيرة للغاية.”

انتقادات من قادة سابقين في الجيش
الجنرال المتقاعد ستانلي ماكريستال، الذي قاد القوات الخاصة الأمريكية في العراق وأفغانستان، قال إنّ ما يجري “يهدد الأساس الذي بُنيت عليه العلاقة بين الجيش والدولة”.
وأضاف: “التاريخ الطويل لحياد الجيش الأمريكي يعتمد على مبدأ بسيط: العسكري يبتعد عن السياسة، والقيادة المدنية تحميه من التسييس. إذا انهار هذا التوازن، فسيكون من الصعب استعادته.”
ضحايا إضافيون في الجيش البري
امتدت قرارات الإقصاء إلى الجيش البري، حيث أُجبر اللواء جاي. بي. ماكغي (J.P. McGee) على مغادرة منصبه كمدير للاستراتيجية وخطط الحرب في هيئة الأركان المشتركة.
كما أُوقف ترقية الجنرال دوغلاس سيمز الثاني (Douglas A. Sims II)، الذي كان مرشحًا لقيادة قوات العمليات (Forces Command)، لأنه اعتُبر قريبًا من ميلي أيضًا.
وخلال حفل وداعه الأخير، تلا سيمز أسماء الجنود الذين قُتلوا تحت قيادته قائلاً: “كل ما نقوم به يدور حول الناس… القيم هي ما يبقينا متماسكين، لا السياسة.”

تأثيرات هيكلية وتداعيات استراتيجية
يقول مسؤولون في الجيش إنّ معظم القادة المُقالين سيجدون وظائف في الجامعات أو شركات الدفاع، لكن الضرر الحقيقي سيقع على الضباط الشباب الذين يشاهدون الآن كيف تُكافأ الولاءات لا الكفاءة.
وقد أدت هذه القرارات إلى شلل في بعض وحدات الترقيات والتخطيط، خصوصًا في الجيش والبحرية، حيث جُمّدت مناصب قيادية حتى إشعار آخر.
ويرى محللون أن هيجسِث يسعى لتركيز السيطرة على الترقيات بيده مباشرة، متجاوزًا تسلسل القيادة العسكري التقليدي.
قراءة سياسية: نحو “جيش ترامب”؟
من الناحية السياسية، يرى مراقبون أن ما يحدث هو محاولة لإعادة تشكيل الجيش الأمريكي على صورة الرئيس ترامب، بحيث يضمّ قادة يتبنون رؤيته القومية والمحافظة، ويرفضون سياسات “اليسار الثقافي” التي تغلغلت في المؤسسة العسكرية خلال العقدين الماضيين.
ويرى معارضون أن هذا الاتجاه يهدد مبدأ حياد الجيش ويحوّله إلى أداة بيد السلطة التنفيذية، بينما يرى مؤيدو هيجسِث أنه “يُعيد روح القتال” ويصحح انحرافات مرحلة ما بعد 2001.

جيش على مفترق طرق
تصف مصادر داخل البنتاغون المرحلة الحالية بأنها أخطر أزمة ثقة داخل الجيش منذ حرب فيتنام.
القرارات المفاجئة تترك انطباعًا بأن الخط الفاصل بين الولاء الوطني والولاء السياسي بدأ يتلاشى، وهو ما حذّر منه عدد من القادة المخضرمين باعتباره تهديدًا مباشرًا لشرعية المؤسسة العسكرية الأميركية.
في الوقت ذاته، يؤكد أنصار الوزير أن “إصلاح القيادة” ضروري لمواجهة تحديات الصين وروسيا والإرهاب، وأن من لا يؤمن بوحدة الصفّ يجب أن يرحل.
بين هذه الرؤيتين، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل ستظل القوات المسلحة الأميركية مؤسسةً مهنيةً مستقلة، أم أنها تدخل عهدًا جديدًا من التبعية السياسية؟



