واشنطن تضغط لاعتماد “خطة ترامب لغزة” في مجلس الأمن

تسعى الولايات المتحدة بقوة إلى دفع مجلس الأمن الدولي لاعتماد مشروع قرار يُكرّس خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلام في غزة كوثيقة ملزمة في القانون الدولي، في خطوة من شأنها أن تُعيد رسم مستقبل القطاع بعد الحرب الأخيرة.
وقال دبلوماسيون شاركوا في المحادثات إن السفير الأمريكي مايكل وولتز وجّه رسالة حازمة إلى نظرائه مفادها: “إما أن تمر الخطة كما هي، أو تستعدوا لعودة الحرب بين إسرائيل وحماس.”
خطة غامضة تتحوّل إلى وثيقة قانونية
الخطة التي أعلنها ترامب في سبتمبر الماضي جاءت غامضة في العديد من النقاط الحساسة، خصوصًا ما يتعلق بمستقبل الحكم والأمن في قطاع غزة بعد الحرب.
لكن مشروع القرار الأمريكي، المكوَّن من عشر نقاط رئيسية، يسعى لتحويلها إلى إطار دولي مُلزم دون تعديل جوهري.
تنص المسودة على إنشاء “مجلس للسلام (Board of Peace)” لإدارة غزة حتى نهاية عام 2027، على أن يتولى “لجنة فلسطينية تكنوقراطية غير حزبية” تسيير الشؤون اليومية، بينما يُشرف البنك الدولي على “صندوق لإعمار غزة”.
كما يقترح المشروع نشر قوة استقرار دولية (International Stabilization Force) تتولى نزع سلاح الفصائل وتدمير البنى العسكرية داخل القطاع، دون تحديد واضح لآليات التنفيذ في حال رفض الجماعات المسلحة التعاون.
تحفظات دولية ومخاوف من صدام مباشر مع حماس
عدد من الدول الأعضاء في مجلس الأمن أعربت عن تحفّظها تجاه فكرة نشر قوات دولية في غزة، خشية أن تجد قواتها نفسها في مواجهة مباشرة مع عناصر حماس أو فصائل فلسطينية أخرى.
وأشار محللون إلى أن الدول العربية لن توافق على إرسال قواتها إلى القطاع ما لم تتضمن الخطة مسارًا واضحًا نحو إقامة دولة فلسطينية مستقلة — وهو ما ترفضه الحكومة الإسرائيلية بشكل قاطع.
اجتماعات مكثّفة مع القوى الكبرى والفلسطينيين
عقد السفير الأمريكي مايكل وولتز اجتماعات منفصلة هذا الأسبوع مع الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن — روسيا، الصين، فرنسا، بريطانيا، والولايات المتحدة — إضافةً إلى لقاء مع ممثلي البعثة الفلسطينية لدى الأمم المتحدة، في إشارة إلى أن واشنطن لا تستبعد مشاركة الفلسطينيين، لكنها أيضًا لا تمنحهم دورًا مؤثرًا.
وأوضح مسؤول أمريكي رفيع أن الدول الأعضاء طُلِبت بتقديم ملاحظاتها الكتابية على مشروع القرار قبل نهاية الأسبوع، تمهيدًا لطرحه للتصويت خلال الأسابيع القليلة المقبلة.
تجاهل مسار الدولة الفلسطينية وتهميش السلطة
رغم أن خطة ترامب الأصلية تتحدث عن “تطلعات الفلسطينيين إلى الدولة”، إلا أنها لا تحدد أي مسار فعلي لإقامتها، كما أن مشروع القرار الأمريكي لم يضف أي بند جديد بهذا الشأن.
كذلك، تستبعد الخطة السلطة الفلسطينية من أي دور فوري في إدارة غزة، إلى أن تجري — وفق النص — “تغييرات داخلية غير محددة”.
ويرى دبلوماسيون أن هذا يعني عمليًا تهميش القيادة الفلسطينية الحالية ومنح الولايات المتحدة وإسرائيل نفوذًا واسعًا في تحديد مستقبل القطاع.
اجتماع حاسم في بعثة واشنطن
استضاف وولتز يوم الأربعاء أعضاء مجلس الأمن العشرة المنتخبين في مقر البعثة الأمريكية بنيويورك، بحضور ممثلين من مصر، تركيا، السعودية، الإمارات وقطر.
ووفق تسريبات دبلوماسية، فقد ركز الاجتماع على آلية تنفيذ الخطة، لكن إجابات وولتز كانت غامضة ومتناقضة أحيانًا، خاصة حول تشكيلة “مجلس السلام” ودور السلطة الفلسطينية.
عندما سأل مندوب الدنمارك عن دور السلطة في المجلس أو اللجنة الفلسطينية، أجاب وولتز بأن “الإجابة موجودة في بنود خطة ترامب العشرين”، دون تحديد واضح.
أما مندوب غويانا فسأل إن كانت تشكيلة مجلس السلام ستكون معلومة قبل التصويت، فأجاب وولتز بأنه “غير متأكد”، مضيفًا أن التأخير في المصادقة قد يؤدي إلى انهيار الهدنة.
خلافات حول المساءلة والشفافية
أثار ممثلو الجزائر وسلوفينيا مخاوف بشأن غياب بند المساءلة في المشروع، إذ لا يتضمن أي التزام من “مجلس السلام” بتقديم تقارير دورية إلى مجلس الأمن.
ووصف دبلوماسي جزائري الخطة بأنها “منح شيك على بياض للولايات المتحدة”، فيما وعد وولتز بدراسة هذه النقطة لاحقًا.
الحاجة إلى تأييد تسعة أعضاء وعدم استخدام الفيتو
لكي يُعتمد القرار، يجب أن يحظى بتأييد تسعة من أصل خمسة عشر عضوًا في المجلس، وألا تستخدم أي من الدول الخمس الكبرى حق النقض (الفيتو).
وكانت فرنسا قد قدمت اقتراحًا بضم بند “حل الدولتين” وإعطاء السلطة الفلسطينية دورًا أمنيًا في غزة، لكن واشنطن تجاهلت معظم هذه التوصيات، باستثناء فقرة تُلزم القوة الدولية باحترام القانون الدولي الإنساني.
مناورة أمريكية أم دبلوماسية قسرية؟
أشارت مصادر دبلوماسية إلى أن الإدارة الأمريكية تُبقي نص القرار غامضًا عمدًا لتحتفظ بحرية المناورة في المستقبل.
وقال المحلل الفلسطيني أكرم عطا الله من لندن: “الأمريكيون يريدون التحكم في كل شيء… الغموض هو أداتهم للسيطرة على المرحلة المقبلة.”
وأكدت تقارير أن المسودة خضعت لأكثر من ٢١ تعديلًا خلال ثلاثة أسابيع، ما يعكس تسارع الوتيرة وضغط الوقت للحفاظ على الهدنة الهشة بين إسرائيل وحماس.
انتقادات لمقاربة “خذها أو اتركها”
اعتمد وولتز لهجة حادة في اجتماعاته، مؤكدًا أن على أعضاء المجلس القبول بالمشروع كما هو أو مواجهة عودة القتال.
هذه المقاربة وُصفت من بعض الدبلوماسيين الأوروبيين بأنها “استعلائية”، وقال أحدهم: “مجلس الأمن ليس أداة لتصديق إرادة واشنطن.”
لكن آخرين أقروا سرًا بأن الضغوط الاقتصادية والسياسية الأمريكية — مثل التهديد بفرض تعريفات جمركية — تجعل كثيرًا من الدول تتجنب الصدام مع الولايات المتحدة.
مكسب سياسي محتمل لترامب في الأمم المتحدة
إذا أُقرّ القرار، فسيُعتبر نصرًا دبلوماسيًا كبيرًا لإدارة ترامب التي عانت عزلة دولية داخل الأمم المتحدة بسبب دعمها المطلق لإسرائيل منذ هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023.
فقد استخدمت واشنطن — في عهد بايدن وترامب معًا — حق النقض ست مرات ضد مشاريع قرارات تطالب بوقف فوري لإطلاق النار.
القرار الجديد سيحوّل خطة ترامب من وثيقة سياسية إلى إطار قانوني مُلزم يمنح واشنطن وحلفاءها اليد العليا في تحديد مستقبل غزة، مع تهميش واضح للمطالب الفلسطينية وللدور الأممي التقليدي.
هدنة معلّقة على خيط السياسة
بينما يعيش سكان غزة تحت أنقاض حرب مدمّرة، يقف المجتمع الدولي أمام خيارين صعبين:
إما تبني خطة غامضة تُكرّس النفوذ الأمريكي والإسرائيلي، أو مواجهة احتمال انهيار الهدنة وتجدد القتال.وفي كلا الحالتين، يبدو أن مصير غزة يُرسم هذه المرة في قاعات مجلس الأمن أكثر مما يُرسم على الأرض.






