العدالة الفلسطينية : غزة إثبات كفيل لفوز ممداني .

التطرف العكسي : المحو التدريجي للصهيونية في عقر دارها
بالعودة للسيناتور بول فندلي في كتابه ” من يجرؤ على الكلام ” و “الانفجار” ، المكرس حياته لمحاربة مد اللوبي الإسرائيلي و توغله العميق الفاحش و الشامل و المغير لكل شيء حتى وصفه نعوم تشومسكي المفكر الأمريكي الشهير ذات مرة ” بالآمر الناهي لأمريكا ” ، و هو الذي ساعد ترمب و دعمه بالإضافة للصهاينة أصحاب المال و العقارات كبيل أكمان و شيلدون أدرسلون و الشخصية الوحيدة التي شكرها ترمب في كلمته في الكينسيت الإسرائيلي يوم الأحد 26 أكتوبر بصيغة رسمية و غير مباشرة مريام أدريسلون.
و لكن هذا يؤكد باختصار شديد فهم التطرف الصهيوني الحاكم للغرب ، على مستوى الطبقة السياسة و النخب طيلة عقود طويلة بعملية معقدة كانت كفيلة بأن تجعل ” المسألة اليهودية ” محورًا أساسيًا في رسم السياسات و كسب ” النفس العاطفية و القلب لهم ” بتعبير المفكر الجزائري الراحل مالك بن نبي في كتابه وجهة العالم الإسلامي :المسألة اليهودية حتى أنه وصى بنشره و ترجمته عقب وفاته المنية ، لشدة حساسية و خطورة الأمر آنذاك على كل العائلة الموجودة.
فما غير الوعي الجمعي للغرب الاجتماعي ، و جعله بعيدًا تمامًا عن الغرب السياسي المصمد في التطرف الصهيوني هو ذلك الفيصل الكبير أن ما وجده النخب المثقفة و البسطاء هو أنهم يتعاملون مع حالة ظنوا أنها انتهت ألا وهي الهولوكوست ، و هذا هو ما جعل زيجمونت باومان في كتابه ” الحداثة و الهولوكوست ” يعترف بأن إسرائيل ” في حالة هولوكوست بلا توقف ” لا لشيء فقط لإنها ” دولة يهودية بنيت على أنقاض وطن الفلسطينيين ” بحد تعبير الكاتب الإسرائيلي جوناثان كوك في مقاله ” الغرب و إسرائيل من يحتاج لنزع التطرف لا غزة ” يشرح فيه بعدسة القارئ الرصين للتاريخ أن المظاهرات و ممداني نتاج طبيعي ” و ردة فعل عكسية ” إما لحالة إنكار علني أو كلمات جوفاء أو بيانات فارغة أو تسويف باهت لخطوات رمزية لا طائل منها.
تبدو المحصلة النهائية في المجتمع الغربي أنها اخترت من يمثلها بصدق ، و تحديدًا المسلمين الذين كانوا دائمًا إما أقلية مظلومة و مضطهدة دائمًا أو إرهابية و متطرفة على الدوام ما يعني غضب ضروري و صياح مدوي لدى الاحتلال الإسرائيلي لإضاعته سو صياح مدوي لدى الاحتلال الإسرائيلي لإضاعته سنوات منذ سبتمبر 2001 على التشويه المعتمد و الشيطنة لجميع المسلمين ، حتى يسهل عليه الاستخدام البارع لتلك الأجندة الفعلية التي تسمح بإهدار دماء و بالطبع المقاومة الفلسطينية جزء أصيل من هذه المعادلة المقيتة.
خلاصة القول أنه ليس مطالب بإحياء الخلافة أو إبطال و إبقاف الأسس السياسية للولايات المتحدة ، لكنه ارتداد طبيعي و انعكاس منطقي لتغير العالم المتسارع بحق ، الذي جعل الإسلامفوبيا ركيزة أساسية مؤسسة لسياسة أكثر تطرفًا على المسلم ، من ممارسات متعددة و حروب يومية من طعام و مأكل و هجوم على الحجاب و كذلك قتل المسلمين بغتة ، أو قلب الآية بدعم متطرفين ممولين من نفس الجهة المعينة ما يطرح تساؤل حيوي عن كيفية جعل غزة هي الحصان الأسود على أي أجندة سياسية ، متسقًا مع قضية أكبر هي تغيير العالم و بروز قضية فلسطين و غزة و الإسلام باعتبارها حضارية عادلة.
انتصار العدالة للمغلوبين : إعادة صياغة وعي جمعي عالمي بفعل الطوفان الهادر
يؤسس الكاتب و الباحث الانثروبولوجي المتمكن بيرن توماسون في كتابه الرصين ” عندما يثور البسطاء : بحث في فشل الثورات العربية ” لقاعدة إنسانية عامة تمكن الأمريكان بحرفية عالية من استخدامها الاحترافي و توظيفها بنجاح باهر في الانتخابات المحلية و البلدية : و تلك القاعدة البسيطة ترتهن لمجريات القيم التي تتصل بالعدالة الإنسانية و محاولة تحقيقها لثبت بصورة مختصرة إلي أن ثبات الشخص على مبدأه و استغلال الأدوات المتاحة ينتهي في نهاية المطاف بحتمية النصر . و يغفل ترامب و من ورائه إسرائيل الإبادية تلك المعادلة التي صعدت ممداني و غيره من المسلمين البالغ عددهم 37 فردًا كعمد للبلديات و المدن الرئيسية بنبرة لاذعة و نقدية معادية لأقطاب الصهيونية و أعداء القضية الأكثر عدلًا على وجه البصيرة حاليًا .
و لإيضاح كامل الصورة كما يجب ، ممداني تأثر بعمق بآراء والده البروفسير محمود ممداني أستاذ الأنثروبولجيا الاجتماعية و العلوم السياسية و الأفريقية بجامعة كولومبيا حيث تطرق لأكثر من مرة في أغلب دراساته و كتبه لحقيقة دامغة تتركز على بقاء الاستعمار القديم في صورة حديثة تمثلت في رواندا و الإبادة الجماعية بها، و خرافة”المسلم الشرير ” و التهمة الباهتة بالإرهاب المرتبط دائمًا و حصرًا بالمسلمين في العالم منذ قرابة ربع قرن ، و أخيرًا معاملة السكان الأصليين بنوع حقير للغاية و منحط “كأقليات دائمة و متشظية ” متجسدة في فلسطين المحتلة و ” إسرائيل العنصرية حتى النخاع” ، و ما من عجب تماسك ممداني الأبن بآراء أبيه حتى انتخبه عمدة بعد الاعتقال في أكتوبر 2023 .
و لا يجسد هذا فقط العدالة المفقودة في الولايات و انتخاباتها البلدية و المحلية التي باتت إسرائيل بالنسبة للمحافظين و العمد ، مثلما وصفتها صحفية النيويورك تايمز في تقرير موسع من إعداد ليام ستاك يقرر فيه أن زيارة إسرائيل أصبحت ” رحلة حج سياسية ” محاطة بجل تقديس و تبجيل غير مبرر بالنسبة حتى لليهود في نيويورك ، ما جعلهم في حالة مشابهة لحرب المستضعفين الذي سردها الصحفي المتمرد و المخضرم روبرت تابر حينما عبر عن خسارة أمريكا لحرب العصابات في فيتنام بأنها ” حرب لا يمكن الفوز بها مهما طال الزمن ” فضلًا عن خسارة كبرى لها على جميع المستويات المتضمنة السياسة و الإعلام و غيرها .
و ما سيطر على الأجواء المرسخة لانتصار العدالة للفلسطينيين و قدرة غزة على تكسير الممنوعات السياسية و تعيد هيكلة الوعي الجمعي و بناءه بشكل لصيق لا ينكره فوزه أيضًا على الحملة المكررة المعتادة بجملة الأوصاف المنفرة حتى من فكرة انتخابه من وسائل الإعلام الأمريكية الداعمة لترامب مثل فوكس نيوز الذي يملكها المليادير اليهودي الداعم بشدة لإسرائيل شيلدون آدار و حملات التمويل و الدعاية المضادة تحت شعار ” أي أحد غير ممداني ” التي ذكرت مجلة فوربس أنها كلفت رجال أعمال مثل بيل أكمان و مايكل روزنبيرغ من 25 ل40 مليون دولار فضلًا عن الحملة القذرة المقادة و الممولة من اللوبي الإسرائيلي بقيمة 20 مليون ما يعكس فشلًا عميقًا في خفض شعبيته أو تدمير مستقبله السياسي مثل جمال بومان .
و كما يظهر للجميع ، فقد تحولت الدفة لصالح ممداني على مستوى التمويل و المجتمع الأمريكي لتظهر الفجوة الحقيقة و الصدع الرسمي – الاجتماعي الواضح في ملفات شتى و كبيرة ، منها الكيان الإسرائيلي الذي يؤكد استطلاع رأي قامت به شركة كيو آر على مدنية نيويورك أكد بدقة النسبة المتخطية للتوقعات التي تدعم ممداني وصلت للنصف ، و هو ما توافق تطابقيًا مع نسبة انتخابه البالغة ل50.6% ما يعني بالضرورة انتصار آخر بنزول النسبة المستمدة من الاستطلاعات و التقييمات الإلكترونية ما يشكل حالة فريدة من ” انتصار العدالة ” التي عبرت عنه الباحثة في شئون الشرق الأوسط في جامعة لندن ، فضلًا عن الداعم اليهودي لعاصمة أكبر جالية لهم في العالم خارج الأراضي المحتلة ، إنها حالة استثنائية أولية تستحق التأمل من انتصار المغلوبين و المسلمين في الخارج .
اليهودي الخالص: الإقبال الكبير و الانتخاب اللافت ينبع من التمسح الإسرائيلي بالدين
بشكل متجاوز للسردية التقليدية التي يروج لها عربيًا ، يسلك الكاتب الصحفي اليهودي و المحلل السياسي الشهير بيتر بينارت منحى مختلف الرؤية تمامًا ، عبر كتابه المفصل فيه لمعنى اليهود ” فيما بعد التدمير الكلي ” لغزة معتبرًا أن المنطقي الوحيد و المتسق الذاتي هو أن تكون يهوديًا فقط من “دون الافتراءات النمطية الخاصة بمعاداة السامية أو الاسلامفوبيا ” التي يحاول الالتصاق بها أو الانتساب لها ، فضلًا عن محاولتهم ربط” متوهم ” بين المعتنق و السياسة كما يضيف الكاتب متحولة لواقع بعد تحطيم كامل و سحق شامل لغزة على جميع المستويات البنيوية .
طبقت نظرية الفصل الجذري الموجودة في كلام بينارت هنا في فوز ممداني بمنتهى الجدارة و الحرفية ، إذا يذكر رئيس قسم الاقتصاد الناطق باللغة الإنجليزية في مقال تحليلي في صحفية هآرتس العبرية ديفيد روزنبيرغ تحت عنوان لافت و لكنه دقيق يفيد المعنى ” الدفة الأخرى : لم صوت أغلبية يهود نيويورك لممداني ” أن أغلبيتهم بنسب استطلاعات الرأي و خصوصًا الشباب من بين نسبتي 36 : 61% من يهود الولايات المتحدة يرون الكيان الإسرائيلي مرتكبة لجرائم حرب أو دولة إبادة جماعية ، و يؤكد كلامه استطلاعي رأي وفقًا لجامعتي باندريسز و كورتنين الحكوميتين في نيويورك بذاتهم ، ما يوحى بعمق التأثير السياسي و الاجتماعي الملموس من غزة و تدميرها .
حتى على المستوى الاقتصادي ، فيزيد روزنبيرغ في تحليله أبياتًا هامة تضفي بعدًا مؤثرًا ألا و هو فشل ترمب و تبعتيه و الانقسام الكبير على الولايات نفسها بسبب الإغلاق الأطول في تاريخ البلاد ، و استيلاء الكيان المحتل على الولايات المتحدة حتى ساد اعتقاد شائع أن الولايات المتحدة محتلة من إسرائيل ، معترف به اليهود أولًا من نيويورك نفسها الذين عجز قادة الكيان الإسرائيلي الفاشيين من أمثال بن غفير و لبيرمان عن استعيابه الواقعي معبرين عن صدمتهم صاعقة و مفاجأة قوية عليهم لا تنم غير عن حالة التعويم و الانفصال التام عن تغيير العالم بشكل مزلزل .
فرسالة ممداني من اليهود في أمريكا رد فعل عكسي مباشر واع عن اتحاد فريد بمختلف الفئات العمرية التي نادرًا ما تتفق للغاية و بشكل منظم و موجه تنم عن الفعل الحقيقي بعد لحظة الحساب الذاتية ، و الموضوعية بدعم الفلسطينيين و الغزيين لتنتقل بعدها مرحلة الحساب الحتمي و الحقيقي مع الدولة ، الممثلة في ترامب و حركة ماجا ، و حالة العزلة الدولية التي تحاصر بإحكام على الكيان الإسرائيلي حتى بعدما عقد المفترض وقف إطلاق النار الشكلي .



