هل هي أزمة مناخ أم إنذار من السماء؟ إيران تبحث عن إجابة وسط عطشٍ يزداد
تحوّل غياب المياه إلى حديث الإيرانيين الأول. ففي الوقت الذي يرفع فيه أئمة طهران دعوات الاستسقاء في المساجد، يتابع خبراء الأرصاد خرائط الغيوم بحثاً عن “انفراجة” قد لا تأتي.
أكثر من 50 يوماً مرّت منذ بداية موسم الأمطار دون سقوط قطرة في أغلب المحافظات، بينما ارتفع عدد السدود التي تقل نسبة المخزون فيها عن 5% إلى 32 سداً. الأزمة لم تعد محصورة في الوسط الإيراني، بل امتدت إلى مختلف الأقاليم.
حين تلجأ الدولة إلى تلقيح السحب
ومع استمرار الجفاف، لجأت السلطات إلى خطوة طارئة: تلقيح السحب باستخدام جزيئات من يوديد الفضة والملح لتحفيز هطول المطر.
ورغم تسجيل هطولات موضعية محدودة، تبقى طهران أمام وضع استثنائي؛ فقد لم يسقط فيها سوى 1 ملم فقط من المطر طوال العام، بينما كان المعدل السنوي سابقاً يصل إلى 350 ملم.
حتى الثلوج، التي عادةً تغطي العاصمة في نوفمبر، اختفت تقريباً مع انخفاض الغطاء الثلجي بنسبة 98.6% في عموم البلاد.
صلوات الاستسقاء تعود إلى الواجهة
في القرى والمدن، امتلأت الساحات بجماعات تدعو لعودة المطر. ويستحضر الإيرانيون قصصاً قديمة عن “المطر العجائبي”، مثل ما حدث في قُم عام 1944 حين هطلت الأمطار بعد ثلاثة أيام من الدعاء رغم استهزاء جنود الاحتلال البريطاني آنذاك.

جدل ديني… هل الجفاف عقاب إلهي؟
غياب المطر فتح الباب لجدل واسع داخل المجتمع الإيراني.
بعض رجال الدين ربط الأزمة بـ“الانحلال الأخلاقي” و“التقصير الديني”، بينما ذهب نواب محافظون إلى لوم الحكومة لعدم تشديدها قوانين الحجاب.
في المقابل سخر آخرون:
“إذا كان كشف الشعر هو سبب الجفاف… لماذا تمطر أوروبا أكثر منا؟”
وظهرت عناوين مثل: “لماذا تنعم الدول الملحدة بالمطر؟”

أسئلة علمية… وخرافات شعبية
وسط هذه الفوضى في التفسيرات، يتحدث خبراء البيئة عن مجموعة نظريات شعبية تنتشر بين الناس:
هل تم سرقة الغيوم؟
هل يمنع احتراق الديزل هطول المطر؟
هل يمكن تبخير مياه الخليج ونقلها للجبال؟
كاوه مدني، الخبير البيئي الذي غادر البلاد بعد تضييق السلطات، ينفي كل هذه الأفكار، مؤكداً أن ما يحدث نتيجة تغير مناخي حاد وسنوات طويلة من سوء إدارة الموارد.

تهديد غير مسبوق للعاصمة
التحذير الأكبر جاء من الرئيس مسعود بزشكيان، حين قال إن الأزمة قد تصل إلى حد إجلاء سكان طهران نحو الجنوب بحلول منتصف ديسمبر إذا لم تهطل الأمطار.
رغم نفي جهات حكومية إمكانية تنفيذ ذلك، إلا أن خبراء بارزين لم يستبعدوا السيناريو بشكل كامل، خصوصاً للمناطق الأكثر اعتماداً على المياه القادمة من السدود.

ترشيد الماء… ولكن بلا خطة إنقاذ واضحة
تقول سلطات المياه إن السكان خفّضوا استهلاكهم بنسبة 10% خلال الأشهر السبعة الأخيرة، لكن المطلوب هو ضعف ذلك على الأقل.
ويجري حالياً تطبيق ما يشبه “التقنين غير المعلن”، إذ يتم خفض ضغط المياه ليلاً في مدينة تضم أكثر من 14 مليون نسمة، دون اللجوء إلى قطع المياه تماماً.

نحو صحوة بيئية داخل إيران
شخصيات بيئية مؤثرة، مثل محمد درويش، ترى أن الأزمة الحالية قد تصبح نقطة تحوّل نحو حركة بيئية واسعة تطالب بحلول عملية للتكيف مع الجفاف وتغيّر المناخ.
التحذير الصادم بشأن إخلاء طهران، كما يقول النشطاء، نجح على الأقل في إقناع الإيرانيين بأن الإنكار لم يعد خياراً وأن ما يواجهونه ليس غضباً سماوياً، بل أزمة مائية صنعتها الطبيعة… والقوانين… والسياسات.



