تقرير تحليلي: كيف يرى إيليوت أبرامز إسقاط مادورو ولماذا يعتبر تغيير النظام الطريق الوحيد لفنزويلا؟
في مقال مطوّل نشر في مجلة “فورين أفيرز” تحت عنوان:
“How to Topple Maduro – And Why Regime Change Is the Only Way Forward in Venezuela”
يقدّم الدبلوماسي الأميركي المخضرم إيليوت أبرامز – الممثل الخاص السابق لفنزويلا في إدارة ترامب، ومساعد وزير الخارجية لشؤون أمريكا اللاتينية في عهد ريغان – رؤية شديدة الوضوح:
لا مستقبل لفنزويلا، في رأيه، من دون تغيير النظام بالقوة وإسقاط نيكولاس مادورو.
المقال يمزج بين تجربته الشخصية في الملف الفنزويلي وتحليل سياسي – أمني يعتبر أن كل أدوات الضغط السابقة فشلت، وأن واشنطن وصلت إلى نقطة اللاعودة: إمّا أن يخرج مادورو من السلطة، أو تُمنى الولايات المتحدة بهزيمة استراتيجية وسياسية في نصف الكرة الغربي.
أولًا: خلفية الموقف الأميركي – بين التصريحات والواقع
يستشهد أبرامز بمقابلة برنامج 60 Minutes مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عندما سُئل: “هل أيام مادورو في الحكم معدودة؟” فأجاب ترامب بهدوء: “أعتقد ذلك، نعم”.
هذه الإجابة المقتضبة، برأي أبرامز، تلخّص المشكلة:
-
واشنطن تتمنّى سقوط مادورو،
-
لكنها لا تملك سياسة واضحة وحاسمة مدعومة بأدوات كافية لتحقيق هذا الهدف.
والمخاطرة، من وجهة نظره، أن تنتهي كل هذه التحركات والاستعراضات العسكرية والبحرية بمادورو ما زال في القصر الرئاسي، فيخرج بصورة “من هزم ترامب” وأثبت أن النفوذ الأميركي في أميركا اللاتينية محدود.
ثانيًا: لماذا يرى أبرامز أن إسقاط مادورو يخدم مصالح واشنطن والمنطقة؟
يربط أبرامز بين بقاء النظام الفنزويلي الحالي وبين سلسلة من التهديدات، ويطرح معادلة واضحة:
إسقاط مادورو = مكاسب استراتيجية للولايات المتحدة والمنطقة، من بينها:
-
تقليص الهجرة الجماعية من فنزويلا إلى الولايات المتحدة ودول الجوار.
-
تقليل تهريب المخدرات، خصوصًا الكوكايين المتجه إلى أميركا.
-
إنهاء تعاون كاراكاس مع الصين، كوبا، إيران، وروسيا، الذي يوفر، من وجهة نظره، قاعدة عمل لقوى معادية لواشنطن في أميركا الجنوبية.
-
فتح الباب أمام تعافي الاقتصاد الفنزويلي وإنهاء الانهيار الاجتماعي الذي دفع ملايين الفنزويليين إلى اللجوء والنزوح.
ويرى أن كلفة الإبقاء على مادورو – بما يرافقه من فوضى، مخدرات، تهريب، ولاجئين – أعلى من كلفة سياسة نشطة هدفها إسقاطه.
ثالثًا: فشل أدوات الضغط التقليدية – العقوبات والدبلوماسية
يتناول أبرامز تجربة إدارة ترامب الأولى، حين كان يشغل منصب المبعوث الخاص لفنزويلا، حيث:
-
اعترفت قرابة 60 دولة بزعيم المعارضة خوان غوايدو رئيسًا شرعيًا مؤقتًا.
-
فُرضت عقوبات اقتصادية ومالية قاسية على النظام.
-
هدفت السياسة إلى عزل مادورو داخليًا وخارجيًا ودفع الجيش والنخبة الحاكمة إلى الانقسام.
لكن حسب تقييمه، هذه الأدوات لم تُسقط النظام، لأن:
-
مادورو مستعد لاستخدام القمع الدموي للبقاء في السلطة.
-
الأجهزة الأمنية والعسكرية تمّ “تحصينها” عبر اختراق كوبي عميق، ومكافآت مالية من عوائد المخدرات والذهب والنفط.
-
المعارضة، رغم فوزها الساحق لاحقًا في انتخابات 2024 عبر المرشح إدموندو غونزاليس، لم تستطع تحويل النصر الانتخابي إلى انتقال للسلطة بسبب رفض مادورو الاعتراف بالنتيجة.
النتيجة:
-
استمرار الانهيار الاقتصادي،
-
استمرار التدفّق الهائل للاجئين،
-
استمرار التهريب والاتجار بالمخدرات والذهب والبشر،
مع نظام لا يبدي أي استعداد للتخلي عن الحكم.
رابعًا: مادورو كنظام “نارتكو – إرهابي” حسب الرواية الأميركية
يستند أبرامز إلى سلسلة خطوات قانونية أميركية لتوصيف مادورو كـ”زعيم كارتيل مخدرات”:
-
في 2020، وُجّهت إليه اتهامات فيدرالية أميركية بـالتآمر لارتكاب أعمال إرهاب مخدراتي وقيادة تنظيم تهريب يُعرف باسم “كارتيل الشمس” Cartel de los Soles.
-
رصدت وزارة الخارجية الأميركية مكافأة بدأت بـ 15 مليون دولار، ثم ارتفعت إلى 25 مليون، ثم 50 مليون دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى اعتقاله.
-
تم تصنيف الكارتيل كـ كيان إرهابي عالمي من قِبل وزارة الخزانة.
في هذه الرواية، لا يُنظر إلى مادورو كنظام استبدادي فقط، بل كـ شبكة إجرامية عابرة للحدود ترتبط مع:
-
فارك الكولومبية سابقًا،
-
ELN الكولومبية الحالية،
-
حزب الله المدعوم من إيران،
-
وأوساط أمنية وعسكرية في دول أخرى.
ومن ثم، فإن استمرار النظام يعني، في رأيه، استمرار تهديد أمني مباشر للولايات المتحدة وحلفائها.
خامسًا: تناقضات سياسة ترامب – “الضغط الأقصى” مع ثغرات كبيرة
ينتقد أبرامز تباينات في السياسة الحالية، منها:
-
استثناء شيفرون (Chevron)
-
رغم العقوبات، سُمح لشركة شيفرون بالاستمرار في العمل في قطاع النفط الفنزويلي.
-
جزء من النفط يذهب للنظام كضريبة عينية، ثم يُباع نقدًا، ما يوفر لمادورو شريان تمويل حيوي يساعده على البقاء.
-
-
إنهاء الحماية المؤقتة للفنزويليين في أميركا
-
إدارة ترامب أنهت وضعية الحماية المؤقتة التي منحها بايدن لمئات الآلاف من الفنزويليين.
-
في الوقت نفسه، تحذر الخارجية الأميركية مواطنيها من السفر لفنزويلا بسبب “خطر الاعتقال التعسفي، التعذيب، الإرهاب، الجريمة المنظمة، وانهيار البنية الصحية”.
-
هذا التناقض يوحي، بحسب أبرامز، بـغياب رؤية متماسكة: البلد خطير لدرجة منع الأميركيين من زيارته، لكن يُطلب من الفنزويليين في أميركا العودة إليه.
-
-
التصريحات حول الهدف من الحشد العسكري
-
واشنطن تقول إن العمليات البحرية والجوية هي “عمليات مكافحة مخدرات”.
-
لكن الحشد الهائل البحري – الجوي حول فنزويلا يصعب تفسيره، منطقياً، إن كان الهدف مجرد اعتراض قوارب تهريب.
-
سادسًا: من الحرب النفسية إلى خيار الضربات المحدودة
يرى أبرامز أن السياسة الحالية تبدو أشبه بـ “حرب نفسية” (PsyOp)، عبر:
-
مضاعفة المكافآت على رأس مادورو ورجاله لتحفيز الانشقاقات.
-
تسريب وجود برنامج سري لـ CIA داخل فنزويلا.
-
توجيه ضربات لسفن تهريب في البحر الكاريبي والمحيط الهادئ.
-
نشر حاملة الطائرات USS Gerald R. Ford وغواصة نووية وعدد كبير من القطع البحرية في محيط فنزويلا.
لكن، في رأيه، هذا غير كافٍ لإسقاط نظام تمّ “تحصينه ضدّ الانقلابات” بمساعدة كوبا، وبنى سجونًا وأجهزة قمع لاحتواء أي تمرد عسكري أو شعبي.
لهذا يدعو – توصيفًا وتحليلاً – إلى الانتقال من الحرب النفسية إلى ضربات عسكرية محدودة ومركّزة تستهدف:
-
منظومات الدفاع الجوي الفنزويلية.
-
طائرات F-16 وسوخوي في قواعد محددة.
-
مدارج الطائرات الصغيرة المستخدمة في تهريب المخدرات.
-
قواعد تنظيم ELN داخل الأراضي الفنزويلية.
-
والأكثر رمزية: استهداف رجل النظام القوي ديوسدادو كابيو، وزير الداخلية وأحد أبرز وجوه “كارتيل الشمس”، المطلوب أميركيًا بتهم إرهاب مخدراتي.
من وجهة نظر أبرامز، ضربة من هذا النوع ستُحدث صدمة داخل أجهزة الأمن والجيش وتدفع كثيرين للبحث عن “مخرج” عبر التخلي عن مادورو والتفاهم على انتقال سياسي.
سابعًا: ما الشكل الذي يتصوره أبرامز لـ “اليوم التالي” في فنزويلا؟
يقترح أبرامز سيناريو انتقالي يقوم على:
-
رحيل مادورو عن الحكم – سواء بالهروب أو التفاوض أو الخلع الداخلي.
-
تنصيب الحكومة التي يعتبرها شرعية بقيادة إدموندو غونزاليس.
-
استعادة الأموال المجمدة واستخدامها في دفع رواتب الجيش والشرطة لضمان ولائهم للنظام الجديد.
-
إقرار عفو سياسي واسع – باستثناء القيادات المتورطة في الجرائم الكبرى – كما حصل في انتقالات ديمقراطية سابقة بأميركا اللاتينية.
-
إعادة بناء المؤسسات الديمقراطية، وإخراج النفوذ الكوبي من الأجهزة الأمنية، ومحاولة تفكيك شبكات الفساد والتهريب المتغلغلة في الدولة.
ويؤكد أن فنزويلا، مقارنة بحالات العراق وأفغانستان وسوريا، “مرشحة أفضل” لنجاح تغيير النظام، لأسباب منها:
-
تاريخ ديمقراطي طويل قبل حقبة تشافيز – مادورو.
-
وجود طبقة وسطى متعلمة.
-
غياب الانقسامات الطائفية أو الإثنية الحادة.
-
روابط اجتماعية واقتصادية وثقافية قديمة مع الولايات المتحدة.
ثامنًا: المخاطر، النقطة الحرجة، والرهان على إسقاط النظام
يعترف أبرامز بأن أي سياسة تقوم على تغيير النظام بالقوة تحمل مخاطر:
-
احتمال فشل الضربات في إضعاف النظام بالقدر الكافي.
-
احتمال التفاف بعض القوى الإقليمية أو الشعبية ضد الولايات المتحدة.
-
احتمال استغلال قوى معادية لواشنطن للمشهد لتصويره كـ”عدوان إمبريالي”.
لكن، من وجهة نظره، الإبقاء على الوضع القائم أخطر:
-
استمرار تدفق اللاجئين.
-
استمرار تهريب المخدرات.
-
ترسخ نفوذ إيران وروسيا وكوبا في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة.
ويخلص إلى أن ترامب، بالحشود البحرية والتصعيد السياسي، تجاوز فعليًا نقطة اللاعودة:
إمّا أن يذهب مادورو، وإمّا أن يظهر الرئيس الأميركي بمظهر من صعّد وهدّد ثم تراجع، وهو ما يراه أبرامز هزيمة رمزية واستراتيجية.
تاسعًا: خلاصة تقييمية
هذا الطرح يعكس مدرسة أميركية قديمة – جديدة ترى أن:
-
“تغيير النظام” أداة شرعية في السياسة الخارجية عندما يتحول الحكم إلى كارتيل جريمة عابر للحدود.
-
الأدوات العسكرية المحدودة يمكن أن تُستخدم كرافعة سياسية، وليست بالضرورة مقدمة لغزو شامل.
لكن في المقابل، يثير المقال نقاشًا واسعًا حول:
-
شرعية استخدام القوة عبر الحدود لتغيير حكومات قائمة، مهما كانت طبيعتها.
-
احتمالات الفوضى والفراغ الأمني في دولة منهكة اقتصاديًا واجتماعيًا.
-
مدى استعداد المجتمع الدولي، ودول المنطقة، لقبول مسار يقوم على الضربات العسكرية كوسيلة للضغط السياسي.
في النهاية، يقدم أبرامز قراءة متشددة وحاسمة:
لا حل، في رأيه، من دون خروج مادورو من السلطة، وأن أي تسوية تُبقي النظام على حاله لن تنهي مأساة الفنزويليين ولا تهديد المخدرات والتحالفات المعادية لواشنطن.
لكن ما إذا كانت الولايات المتحدة ستتبنى بالفعل هذه الرؤية التصعيدية، أو تبحث عن مسار تفاوضي أقل خطرًا، يبقى سؤالًا مفتوحًا على تطورات المرحلة المقبلة في فنزويلا والمنطقة.



